فظائع تنظيم داعش الإرهابي تعكس وحشية ناقمة على كل ما هو إنساني، فاستباحة الدماء المعصومة وحز الرؤوس أمام كاميرات التصوير جرم ليس بعده جرم، لقد تبرأت عصابات الشر من إنسانيتها، وأصبحت ناقمة حتى على ذاتها، فمنذ أن ولدت في ظرف الاضطرابات التي لا يزال العالم العربي يعاني من تداعياتها،- ومهد لها نظام القتل والاستبداد في سوريا، وانقسام العراق على نفسه وسط تدخلات طهران وملاليها، ودعمها للحكومة العراقية السابقة بقيادة المالكي التي تجرّع العراقيون مرارة حكمها، وتغليبها فئة على أخرى لأهداف طائفية مقيتة، ولعبة عالمية وظّفت مغسولي الأدمغة وعشّاق الدم لخدمة أنظمتها وإطالة أمد الصراع في الأقاليم العربية - في هذا الظرف المشحون وما سمّي الربيع العربي ولدت عصابات داعش، وأعلنت خلافة مزعومة ومدعومة من أنظمة زرعتها لتنفيذ أيديولوجياتها في الشرق الأوسط.
وتصاعدت وحشية التنظيم وحاول المؤدلجون إلصاق أعمالها الشريرة بالإسلام، البعيد كل البعد والبريء منها ومن كل ما هو ضد الإنسانية، فدين الرحمة والسلام جاء لخير البشر وليس لإزهاق الأرواح وزعزعة الأمن، وفاقت بعض الدول الغربية على التحاق بعضٍ من مواطنيها بالتنظيم الإرهابي، عندها بدأت تلك الدول تدرك حجم خطورة هذه العصابات، التي حذرت منها المملكة في أكثر من محفل وطالبت بضرورة مواجهتها، وبدأت قوات التحالف الدولي بضرب معاقل التنظيم.
وإذا كان إزهاق الأنفس المعصومة أشد من هدم الكعبة، فإن إلغاء تاريخ الأمة ومحاولة قتلها من خلال القضاء على تاريخها لأمر خطير وعمل بربري جبان، فإلغاء التراث الإنساني بما يمثله من قيمة اجتماعية وتاريخية واقتصادية، كتحطيم آثار الموصل وآثار النمرود العراقية لطمس هذا الإرث الحضاري في بلاد الرافدين، علاوة على ما يقوم به نظام بشار من تدمير آثار الشام، سواء مساجدها أو متاحفها الأثرية أو مواقعها التاريخية، ولئن كانت إسرائيل قد أزالت كثيرا من الآثار الإسلامية والعربية في فلسطين وتسعى جاهدة إلى تهويد القدس وتغيير معالمها لطمس هويتها، فإن ما يقوم به نظام بشار وتنظيم داعش في سوريا والعراق لا يقل فداحة عن ممارسات إسرائيل في القدس.
فمؤدى الإرهاب واحد وإن تعددت المسميات واختلفت الأفعال وطرق التنفيذ، وعندما يؤكد وزير الخارجية صاحب السمو الملكي الأمير سعود الفيصل في المؤتمر الصحفي الذي عقده مع وزير خارجية أمريكا بعد زيارته للمملكة الأسبوع الماضي أن استمرار الأزمة السورية لم يفضِ فقط إلى تدمير سوريا وتشتيت شعبها وتعميق معاناتها الإنسانية، بل أدى إلى جعلها ملاذا آمنا للتنظيمات الإرهابية وبمباركة من بشار الأسد الفاقد للشرعية، مع ما ينطوي عليه ذلك من تهديد لسوريا والمنطقة والعالم، فإن محاربة هذا التنظيم يجب أن تزيل مسببات وجوده ومواجهة الفكر المروّج له وتجفيف موارده المالية.
فرغم تأكيد المسؤولين الأمريكيين أن التنظيم فقد كثيرا من التعاطف والدعم المالي الذي كان يتلقاه بعد إحراقه للطيار الأردني معاذ الكساسبة حيا، إلا أن التنظيم استمر في تنفيذ مسلسل حز الرؤوس وأعدم 21 مصريا في ليبيا، ما يتطلب متابعة حثيثة لمصادر التمويل التي يتلقاها التنظيم وتجفيف منابعها كوسيلة من وسائل محاربته على كافة المستويات الأمنية والفكرية.
لقد أدانت المملكة جرائم التنظيم منذ ظهوره، وجددت إدانتها لجرائمه في العراق باستهداف الأبرياء من الشعب العراقي والتضييق عليهم في عيشهم وتدمير تراثهم الثقافي ودعت في اجتماع مجلس الوزراء الأسبوع قبل الماضي إلى اتخاذ إجراءات دولية رادعة تجاه من يقوم بهذه الاعتداءات الإجرامية، وفي الأسبوع الماضي دعت مديرة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونسكو) إلى عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي بعد قيام إرهابيي داعش بتحطيم آثار متحف الموصل، وعلى ضوئه استنكر مجلس الأمن الدولي جرائم داعش في العراق وتدمير الآثار التاريخية.
إن التنظيم وهو لا يتورع عن إزهاق الأرواح وبأبشع طرق القتل، ويحطم كل ما واجهه في طريقه من منازل ومتاحف وآثار تاريخية لهو يؤكد النداءات الدولية بضرورة القضاء عليه وهو يعلم أنه لا محالة زائل بإذن الله ليبقى للأوطان أمنها وللإنسانية ثقافتها.