«إن المعركة التي يتطلب خوضها إيقاف العقول عن التفكير، والاكتفاء بالانجراف مع القطيع، هي معركة خاسرة حتما مهما كانت نتيجتها» (نورمان ميلر)1- التطرف المهزوم حتماً! يحمل الفكر المتطرف بكل صوره وأشكاله بذرة فنائه بداخله، وليس لدي أدنى شك في أن موجة التطرف الفكري التي تعصف آثارها بإقليمنا العربي عصفا داميا أليما، ما هي إلا سحابة صيف عابرة، سنتذكرها بعد حين -دون حنين وبكثير من الإشفاق والأسى- ونحمد الله الكريم أن من على مجتمعاتنا بالشفاء من الداء العضال
وسبب ثقتي هذه في قدرة جسدنا الحضاري العربي على مداواة نفسه من سقمه الراهن هذا، لا تعود -للأسف- لإيماني بمناعتنا الذاتية -نحن العرب- فالعكس هو الصحيح للأسف، إذ إن ضعفنا الحضاري الراهن، وهزالنا الثقافي، أسلمانا فريسة سهلة لديناصورات الإرهاب

!سبب ثقتي ليس مناعة العرب بل هشاشة التطرف والمتطرفين، وحركتهم الحثيثة عكس مسار التاريخ، ومناخ الرفض الجماعي الذي يثيرونه في مجتمعاتهم
السواد الأعظم من العرب الآن صاروا يدركون أن التطرف بوجوهه كلها وأيا كان اتجاه ضرباته الخسيسة، هو ضد مصالحهم، ويهدد بقاءهم، ناهيك عن كبحه المستميت لفرص ازدهارهم وتقدمهم، وهو ما سيجفف تدريجيا من منابع تمويل المتطرفين بالمال والرجال، وسيؤدي إلى انقراض تلك الديناصورات، التي لا تلعب إلا لصالح الموت، وتحاول إحراز أهدافها المتفجرة ضد الحياة

والحياة لا يمكن أن تهزم، الحياة تنتصر دائما، ونحن سننتصر كذلك على التطرف، بقوة الحياة التي لا تُغلب، وليس بقوتنا الذاتية، لأننا أمة تحرص على ضعفها كحرصها على متابعة برامج المسابقات على شاشات الفضائيات!2- كيف تصبح مليونيرا يا غبي!لا شيء مما أقرؤه أو أسمعه يغيظني كنصائح الإثراء السريع التي جعلها البعض هوايته المفضلة وأحيانا مهنته التي تفيض عليه بالرزق الوفير
يخرج علينا كل يوم واحد من فلاسفة الإثراء السريع هؤلاء، إما على صفحات كتاب براق العنوان، أو على شاشات كبريات المحطات التليفزيونية، ليلومنا لأننا فقراء، وليقرع سلوكياتنا المادية المسرفة، التي تحرمنا من ادخار المليون الأول، ومن ثم بداية الطريق نحو المليار الأول، وربما وصولا للترليون الأول!كل هذا إذا ما كنا أذكياء بما يكفي، للبدء بالادخار، ثم الاستثمار، وستنهمر علينا الملايين أيما انهمار!المشكلة إذن في رأي هؤلاء الفلاسفة المدعين، أننا نحن فقراء العالم، أغبياء إلى الحد الذي يجعلنا ننفق كل دخلنا، ثم نقترض أكثر من طاقتنا على السداد، دون سبب وجيه لذلك كله!هذا هو قلب كل الكتب التي تتناول هذا الموضوع، بدءا من: «كيف تصبح مليونيرا» وصولا إلى: «أبي الفقير أبي الغني» نحن أغبياء ولهذا نحن فقراء، ولو التزمنا بالنصائح الذهبية التي يقدمها لنا الكاتب لصرنا أذكياء وأثرياء!الذي لا يفهمه هؤلاء ال


ناصحون، أننا نحن الفقراء والمتوسطي الحال في العالم، لا ندخر لأننا لا نملك ما يمكن ادخاره، الواحد منا يدفع الإيجار ورسوم الماء والكهرباء والإنترنت، وتكاليف تعليم العيال في المدارس، ثم يأكل ويشرب


وبس! لا يتبقى من مرتبه شيء، وغالبا ما يضطر للوصول إلى بطاقة ائتمانه كي يكمل الشهر بلا فضائح! فكيف سنسمع كلام أولاد ال


الذين يتهموننا بالغباء والضعف والإفراط في الاستهلاك ولهذا نحن فقراء!نحن فقراء رغم أنوفنا، وسنظل كذلك رغم أنوفنا، ولا علاقة لذلك بغبائنا أو ذكائنا
كفوا إذن عن استفزازنا
3- لماذا يملؤنا الوجود في «المول» بالسعادة؟علينا أولا الاعتراف بأن للوجود في «المول» أو مركز التسوق تأثيرا بهيجا، وأن التغير في مزاجنا نحو الأفضل يبدأ منذ اللحظة التي نتجاوز فيها العتبة الفاصلة بين الخارج الحار المترب الرمادي الألوان، والداخل المكيف المنعش الزاهي بألوانه الساطعة
ولكننا لا نكون أسعد في مركز التسوق لأنه نظيف ومكيف بل لسبب آخر يؤثر في منطقة مغروسة عميقا في عقلنا البشري الذي تكوّن عبر ملايين السنين من التطور المكثف الذي ساهمت البيئة بخشونة في توجيهه، فنحن –وإن أزعجنا ذلك- كائنات قلة لا وفرة، تكوّنا وهمنا الأساسي أن نجد ثمرة ناضجة على شجرة قصية نتبلغ بها، عشنا –وأنا هنا أتحدث عن عمر الجنس البشري الموغل في القدم إلى حد ستة ملايين سنة- ولا غاية لنظامينا العصبي والإدراكي إلا دفع شر الموت جوعا عنا وعن ذريتنا، وقد تركب عقلنا ليؤدي عنا هذه المهمة الشاقة غير مضمونة النجاح: أن نجد ما نقتات به!والآن في زمن المراكز التجارية العملاقة، و»السوبر ماركتس» التي تتكدس فيها أصناف بلا حصر من الأغذية والمشروبات، براقة أمام أعيننا الحائرة التي ما تنفك تلف وتدور على الأرفف التي تبدو بلا نهاية، يصاب عقلنا بصدمة مروعة، فهذا العقل المصمم لاقتناص القليل والفرار به من الأعداء المتربصين نحو زاوية كهف لنلتهمه التهاما، يروعه أن الطعام كثير هكذا، ومتعدد هكذا، وسهل المنال هكذا في مركز التسوق وفي «السوبر» أو «الهايبر ماركت» الملحق به
وينتقل إحساسنا من منطقة الذهول والترويع في المخ، إلى منطقة الاسترخاء والاستمتاع والشعور بالأمن والطمأنينة، فما دامت كل هذه الأغذية والبضائع موجودة، فلن أموت جوعا، ولن يموت عيالي جوعا
وهذه المنطقة في المخ لا علاقة لها إطلاقا بالتفكير المنطقي، هي لا تحسب ما إذا كنا نمتلك المال اللازم للاقتناء، بل تكتفي بمتعة حضور الغذاء بكل هذه الوفرة وبالسكينة التي يهبها ذلك لأبعد مكونات عقلنا بدائية ورسوخا وتأثيرا: غريزة البقاء
هل عرفتم الآن لماذا تسعدون حينما توجدون في «المول»، إنه إحساس أشد عمقا من عقلكم الواعي، فلا تقاوموه، بل استفيدوا منه، وبدلا من تعاطي مضادات الاكتئاب، تعاطوا الذهاب إلى «المولات»! لكن إياكم وهوس الشراء، الذي قد ينسف سعادتكم البدائية تلك نسفا، حين تعذبكم ضمائركم «المالية» لأنكم تشترون ما لا تحتاجون، وتنفقون أكثر مما تستطيعون!نصيحتي أن تكثروا من الوجود في «المولات» للفرجة والانتعاش، لا للشراء، فالفرجة هناك تهبنا السعادة، وهي حتى الآن مجانية
نلتقي في «المول» إذن يا قرائي المكتئبين الأعزاء!

[email protected]