سيظل السابع والعشرون من فبراير الماضي يوما مشهودا في تاريخ الحضارة البشرية، وسمت مشاهده الحزينة عملية تدمير متحف الموصل التاريخي والذي تعود مقتنياته إلى العهد الآشوري.
فقد استفاق العالم على مشاهد مروعة لعناصر داعش وهم يوثقون لجرائمهم بالفيديو بتحطيم المتحف، ومن قبل لك تفجير المكتبة العامة في المدينة نفسها بعد تفخيخها ليخسر المشهد الثقافي العالمي 8 آلاف كتاب ومخطوطة في دقائق معدودة.
وكان التنظيم قد أحرق مئات الكتب في المكتبة المركزية داخل الحرم الجامعي في جامعة الموصل في ديسمبر الماضي.
ولم يقتصر الأمر على الكتب والمكتبات بل تعداه الى الجوامع والكنائس والمعابد والأديرة وحتى اللغة.
الأرض المحروقة
يتمسك داعش بسياسة الأرض المحروقة على نحو ما، بهدف إحراق كل ما قد يفيد العدو من محاصيل ومستودعات الغذاء والسلاح، والذي تحظره المادة 54 من البروتوكول الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977، إلا أن استراتيجية التنظيم تجاوزت التدمير المادي المألوف إلى قتل الهوية التي يتمسك بها أهل تلك الأرض، وذلك من خلال طمس مكونات هوية الآخر حتى تنشأ الأجيال القادمة، جاهلة بأصل ثقافتها وهويتها الحضارية.
ففي عام 1933 اقترح محام يهودي بولندي يدعى رافائيل ليمكين إضافة المكون الثقافي كنعصر أساسي في الإبادة الجماعية، وتمت إضافته في معاهدة منع الإبادة عام 1948، وطلب أن يكون تحت مسمى الفاندالية نسبة إلى قبيلة جرمانية شرقية تدعى الفاندال، والتي هاجمتها روما في 455م، مدمرة آثارها الفنية والأدبية.
تطهير ثقافي
تقول المديرة العامة لليونسكو إيرينا بوكوفا في بيان لها حول حادثة الموصل، إنَّ هذه الحرائق المتعمدة التي طالت الكتب تمثل خطوة أخرى في التطهير الثقافي الذي يرتكب في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعات المتطرفة المسلحة في العراق، مشيرةً إلى أنَّ حرق الكتب بالإضافة إلى التدمير المنهجي للتراث واضطهاد الأقليات هي أمور تهدف فيه المحصلة إلى تدمير التنوع الثقافي "الذي هو روح الشعب العراقي".
وأوضح البيان أن حرق الكتب يندرج في خط الهجوم على المعرفة والثقافة والذاكرة، وكان آخرها في تمبكتو بمالي، حيث جرى حرق المخطوطات في مركز أحمد بابا.
ويعكس هذا العنف مشروع تعصب، يستهدف على حد سواء الناس وكل ادوات التفكير، واختتم البيان أنَّ اليونسكو تعمل منذ أشهر عديدة على توثيق وإدانة التطهير الثقافي التي ترتكبها الجماعات المتطرفة المسلحة في العراق، والتي تستهدف التراث والأقليات ووثائق ومصادر مكتوبة لحضارة هي من أقدم الحضارات في تاريخ البشرية.
تابولا رازا
بعد تحطيم متحف الموصل ثاني أكبر متحف في العراق في 27 فبراير الماضي، قالت بوكوفا خلال مؤتمر صحفي ان ما قامت به داعش من تدمير للآثار التي لا تقدر بثمن شمال العراق ليس "كارثة ثقافية فحسب" بل مشكلة أمنية كبرى، وأن تدمير التماثيل والمنحوتات بالمطارق والحفارات ما هو إلا محاولة متعمدة لزعزعة استقرار البلاد وإثارة الطائفية.
وأضافت بوكوفا "المشكلة أبعد من كونها قضية ثقافية، إنها مشكلة أمنية كبرى، ويمكننا رؤية الإرهابيين يستخدمون تدمير التراث كاستراتجية لزعزعة الاستقرار والتلاعب بالسكان وضمان السيطرة عليهم.
" وأضافت " إنهم يرغبون بإظهار أنها "تابولا رازا" أو صفحة بيضاء خالية من أي تاريخ وخبرات مسبقة تعرف مجتمع الموصل بشكل خاص والعراق بشكل عام، فلا شيء يوجد قبلهم ولا يهم أي شيء فليس هناك ثقافة ولا تاريخ وليس هناك أي شيء وُجِد من قبل.
داعش تريد أن تظهر هذا بطريقة حية وبهذا التصرف المروع والصادم فإنهم يرغبون بخلق انقسامات عميقة".
طمس الهوية
يعيدنا مشهد حرق الكتب الذي أقدم على فعله داعش تجاه مقتنيات ومخطوطات مكتبة الموصل إلى أشهر عملية حرق للكتب قبل 80 عاماً، وهي الحادثة والتي سميت في الصحافة آنذاك بـ"هولوكوست للكتب"، قامت على فكرة أساسية، كل ما يخالف الايدولوجية الألمانية مرفوض، وتم فيها حرق مؤلفات ألمانية وقفت ضد هتلر من الخارج.
ومن هنا انعكس الأمر على التعصب ضد الثقافة، وبدأت رحلة التطهير الثقافي الذي تكمل مسيرته اليوم داعش في العراق، فكل ما يخالف توجههم الديني والسياسي تتم محاربته، وشيطنة الآخر باسم الدين، مدعين تبني كلمة الحق، والتاريخ شاهد على سلوكيات المستعمر التي تتبنى التدمير والتخلص من الأجيال التي تملك زمام المناطق سياسيا واجتماعياً، لينتقلوا من ذلك إلى التخلص من كل ما ارتبط بتلك الشخصيات من كتب أو تاريخ أو قوانين، ولا يمكن إخفاء ذلك بالكلمات والخطب، بل أنها عملية أكثر "حرق الكتب، هدم الآثار، تشويه التصور التاريخي للمنطقة".
فقد تم حرق الآلاف من كتب الفلسفة والقانون والشعر والعلوم في الاسابيع الماضية وبحسب التقارير، فإنها قد تكون من أكبر أعمال التدمير المتعمدة للكتب في تاريخ البشرية.
عودة هولاكو
نسف داعش أحد أقدم المساجد التاريخية وهو مسجد السلطان ويس في نينوى التابعة للموصل، والذي يعود تاريخ إنشائه إلى عام 1838، بتفجير أجزاء من قلعة تلعفر التاريخية، وكأنها إعلان عن عودة هولاكو في صورة زعيم داعش ابوبكر البغدادي.
ومع اختلاف الكلمات إلا أن مبدأ التدمير ومحو ثقافة الآخر مشترك بينهما، كما أن التدمير لم يقتصر على بغداد وأخواتها من المدن العراقية، بل امتدت حرائقه لملامح سوريا الثقافية، فدمرت في دمشق نحو 30 موقعا أثريا وتاريخيا.
بقراءة في التاريخ تواجه داعش أحد المصيرين، إما الاستمرار والانتقال إلى مرحلة التنظيم الدولي حتى يعترف بها بعد سنوات، أو تسقط بارادة عالمية.
وفي كلا الحالتين ستنتقل من التدمير إلى فرض السيطرة بأسلوب ناعم بعد أن تكون مفهوم عام ومشترك لدى مجتمعها وجيوشها، ليس لمن يخضع لها داخل مستعمرتها، ولكن أيضا كل من يؤيد تصرفاتها في العالم أجمع، تحت مظلة حلم الخلافة.
مواقع تاريخية دمرها البشر:
• مكتشف ومدمر مدينة طروادة هاينريش شليمان في 1871
• وجد شليمان المدينة التاريخية في 1971, وكان هناك 9 مواقع فوق بعضها البعض.
فاستخدم عالم الآثار طريقة مبتكرة جديدة للحفر للوصول إلى المدينة الأسطورية: وذبك باستخدام الديناميت، الذي اخترعه ألفريد نوبل قبل أربع سنوات فقط.
• تماثلا بوذا في باميان والتي نحتت في أعوام 507 و554 ميلادي, ودمرتها طالبان - 2001.
• مدينة أم العقارب التاريخية في العراق، التي دمرت في بداية حرب العراق - 2003
• تخريب المواقع الآثرية من قبل الجنود الأمريكان خلال حرب العراق - 2003
• تدمير عشرة مقابر قديمة للسلالات الستة يعود تاريخها لـ (220-589) وذلك بعد أن دمرتها الجرافات والآلات في 2007 لإفساح مكانا لمتجر إيكيا في نانجينغ، الصين
• تدمير المواقع الأثرية في رالي داكار عندما أقيم في تشيلي والأرجنتين عوضا عن باريس وداكار2009.
• تعرض موقع موقع الحيبة الآثري الذي يقع 180 ميلا من جنوب القاهرة للتدمير وعمليات النهب من قبل لصوص الآثار، بين عامي 2012, 2009
• تدمير الآثار في سورية بسبب الحرب الأهلية التي دارت رحاها في 2011, ومن المواقع المدمرة مسجد من القرن 11 ميلادي, وجزء كبير من مدينة حلب, وتعرض المدن القديمة لإيبلا وأفاميا للنهب والسطو
• تضرر واحد من أكبر أهرام المايا والذي يعود تاريخه للقرن الثالث ق.
م في موقع (Noh Mul) الآثري وذلك من قبل شكرة بناء أثناء عمليات الحفر لتمهيد طريق في مايو 2013
• تدمير هرم يصل عمره إلى 4000 عاما في موقع إل بارايسو الآثري بالقرب من ليما في البيرو, في يونيو , 2013.
حيث دمر أحد الأهرام في الموقع قبل أن تتدخل الشرطة
صراع الهوية والهوى.. داعش يحارب العالم حضاريا
6 دقائق للقراءة

حجم الخط
