مبادرة طيبة تلك التي عكستها بعض مدارس التربية والتعليم في المنطقة الشرقية، حيث قامت على برامج تهدف إلى تعريف الطلاب ببعض المهن وزرع ثقافة احترام المهن والعمل في نفوسهم. بالإضافة إلى تنمية المهارات والاعتماد على النفس في كسب العيش الشريف. وقد نقلت صحيفة»الاقتصادية» في أحد أعدادها قبل أسبوعين تقريبا تقريرا نقل صورا مشرفة لأطفال يقفون بجوار مأكولاتهم في عرض راق وأنيق.
تضمن هذا البرنامج الذي يقوم للعام الخامس سوقا شعبية مصغرة يقوم من خلاله بعض الطلاب بإحضار أكلات شعبية تراثية ومشروبات ساخنة وبعض الحلويات التراثية وبيعها في المدرسة، خلال يوم مفتوح تنظمه المدرسة.
بالإضافة إلى الأهداف المذكورة فإنّ هناك فائدة أخرى وهي غرس ضرورة مساهمة النشء في تنمية المجتمع، لما له من مردود في التنمية المحلية والعالمية. وقد أوردت هذه القيمة الإنسانية، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) في كتيب يحمل عنوان (التربية من أجل التنمية المستدامة). ركزت أهداف الكتيب على خطط وأساليب تدريس التنمية المستدامة بتوجيهه إلى معلمي المدارس الأساسية والثانوية. كما وضعت رؤى تتمثل في ضرورة إدراك الطالب أنّ القرارات الاستهلاكية الفردية تؤثر على استغلال الموارد وتصنيعها، ليس في بلده فحسب ولكن في شتى أنحاء العالم. ثم الاعتراف بأنّ القيم الاقتصادية، الدينية، والاجتماعية تنافس على قيمة الإنسان بمختلف اهتماماته وخلفيته التفاعلية.
وإذا نظرنا إلى ديننا الحنيف نجد أنّ هذه القيم لديها جذور قوية ينبغي توفرها في أخلاق المسلم تتمثل في احترام العمل، كما جاء في الأحاديث التي تعكس ذلك. عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «مَا مِن مُسلم يَغرِسُ غَرْسا أو يَزرَعُ زَرْعا فيأكُلُ مِنه طَيرٌ أو إنسَانٌ أو بهيْمَةٌ إلا كان لهُ بهِ صَدقَةٌ» رواه النسائي. وعن أنس أنّ النبي، صلى الله عليه وسلم، قال «إن قامتِ السَّاعةُ وبيدِ أحدِكم فَسيلة فإن استطاعَ ألا تقومَ حتَّى يغرِسَها فليغرسْها».
هذا البرنامج بالإضافة إلى دوره التربوي يحتوي على دور ثقافي وحضاري من خلال الاهتمام بالأكلات التراثية، وبالإمكان دمج هذا في منهج التدريس كتنويع غذائي وثقافي. وقد شدّني في أحد المهرجانات الشعبية قبل فترة، تحلّق مجموعة من الأطفال حول امرأة كبيرة السن تحكي لهم بعض الحكايات الشعبية وسط دهشة بالغة تعلو وجوههم. وقد كانت ذخيرة المرأة من تاريخ المملكة الذي يتميز بثرائه بالحكايات التاريخية الاجتماعية التي تحمل قيم الشجاعة والكرم والشهامة والمروءة، خاصة أنّ أغلب أبطاله حقيقيون. ويتنوع هذا المكون الأدبي الشعبي بين القصص والحكايات القديمة والأساطير الشعبية التي تندرج تحت مصطلح «السالفة» وهي بمعنى الحادثة الماضية. والقصص كإنتاج حي يسعى بين الناس ويتم تداوله بين الأجيال وتطويره وتشذيبه حتى يتوافق مع تطور المجتمع.
أتذكر جيدا كم قضيت من الوقت مع هؤلاء الأطفال وأنا أستمع إلى أشهر «السوالف» الشعبية، ومنها سالفة «سبحونة» وهي نموذج لبداية جلسة السمر، وهي اسم مشتق من مطلع الأسطورة ومبتدئها الذي يكون غالبا بذكر الله وتسبيحه. ثم حكايات السيرة الهلالية التي انطلقت من منطقة نجد إلى بقية الوطن العربي: سالفة أبو زيد الهلالي وأمير وشيقر حديد، سالفة بو زيد من فخرو، ثم سالفة كليب ومهلهل المستقاة من حوادث حرب البسوس التاريخية.
وبالرجوع إلى التربية بالتنمية المستدامة يمكن إدراك الدور الحيوي الذي تقوم به هذه الحكايات، وأهميته في تحليل تفاصيل الحياة الاجتماعية ومظاهرها المتعددة، فضلا عن متابعة طريقة تطور الحياة.
وبتضافر مثل هذه المبادرات التي تتكون من الاهتمام بقيمة العمل والتركيز على التراث، ثم باسترجاع القصص التراثية والإبداع الشعبي يدرك النشء كيف كانت طبيعة الحياة الاجتماعية في تكافل ويسودها التعاون والتضامن. كيف لا، وقد كان أهالي الحي الواحد كأسرة كبيرة يتعاونون على توفير الخدمات الأساسية، ويشارك بعضهم بعضـا في المسرّات والأحزان.
الإبداع الشعبي والتنمية المستدامة
منى عبدالفتاح3 دقائق للقراءة

حجم الخط
