هل تسير استراتيجية السعودية، والتي أقنع بها وزير البترول المهندس علي النعيمي رفاقه في أوبك لجعل السوق النفطية تصحح نفسها بنفسها، في الطريق الصحيح؟ الإجابة على هذا السؤال تعتمد على أمر واحد فقط، وهو أن يبدأ الإنتاج في الولايات المتحدة بالانخفاض لأن الإنتاج الأمريكي يشكل غالبية النفط الذي دخل السوق حديثا في السنوات الثلاث الأخيرة، وأدى إلى اختلال ميزان العرض وجعله أعلى بكثير من الطلب، وهو ما أدى إلى هبوط الأسعار. لكن الإنتاج في الولايات المتحدة لم ينخفض حتى الآن بل على العكس ما زال آخذا في الزيادة بصورة أسبوعية رغم أن عدد منصات الحفر لآبار النفط قد هبط الأسبوع الماضي إلى أدنى مستوى له في أربع سنوات.
وبدأت منصات الحفر في الهبوط بصورة مستمرة للأسبوع الـ13 على التوالي بسبب الانخفاض الحاد في أسعار النفط.
ففي الوقت الذي أعلنت فيه شركة بيكر هيوز للخدمات النفطية في مسحها الأسبوعي أن عدد منصات الحفر لآبار النفط في الولايات المتحدة انخفض بمقدار 64 في الأسبوع الماضي لتصل إلى 922 حفارة وهو أقل عدد للحفارات في التشغيل منذ أبريل 2011، أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية التابعة لوزارة الطاقة أن إنتاج البلاد الأسبوعي من النفط قد تجاوز 9.32 ملايين برميل وهو أعلى معدل إنتاج أسبوعي منذ 1983.
انخفاض الإنتاج حتمي
يبدو الأمر محيرا، إذ من المفترض أن يؤدي انخفاض منصات الحفر إلى انخفاض الإنتاج الأمريكي إلا أن الإنتاج لا يزال يزداد.
لكن المحللين الذين تحدثوا إلى «مكة» أوضحوا أن هذا الأمر طبيعي جدا، حيث إن الآبار النفطية التي حفرتها المنصات وتم الاستغناء عنها لا تزال في بداية إنتاجها، ولهذا سيظل إنتاجها عاليا لفترة من الوقت لا تقل عن شهرين إلى 3 أشهر.
وسينخفض الإنتاج الأمريكي لا محالة مع تناقص منصات الحفر خصوصا من آبار النفط الصخري كما يوضح لـ»مكة» الدكتور سداد الحسيني خبير الإنتاج والتنفيذي السابق بشركة أرامكو السعودية.
فبحسب ما قاله الحسيني فإن معدل هبوط إنتاج البئر الواحدة من النفط الصخري عال جدا، ولهذا تحتاج الشركات المنتجة للنفط الصخري إلى حفر آبار كثيرة جدا للمحافظة على مستوى الإنتاج ولكن هذا لن يحدث طالما تناقصت أعداد منصات الحفر.
ولم يستبعد الحسيني أن تصل منصات الحفر إلى ما بين 500 إلى 600 حفارة بنهاية النصف الأول من العام الحالي، وهو ما سينعكس على مستوى إنتاج الولايات المتحدة في النصف الثاني من العام.
وبفضل هذا الوضع فإن الأسعار من المرشح أن تعود إلى الارتفاع بداية من النصف الثاني من 2015 وقد تصل إلى مستويات قريبة من 90 دولارا في العام المقبل إذا استمرت الأمور كما هي عليه.
الأسعار تستعيد عافيتها
بفضل هذا التفاؤل حيال الانخفاض في أعداد منصات الحفر والهبوط المحتمل للإنتاج الأمريكي، استعادت أسعار النفط شيئا من عافيتها واستقر سعر برنت في لندن عند مستوى 60 دولارا لما يقارب الشهر، فيما استقر سعر خام غرب تكساس في نيويورك عند مستويات أقل أو عند 50 دولارا.
وفي يوم الجمعة
قلصت العقود الآجلة للنفط الخام خسائرها أمس الأول بفضل بيانات منصات الحفر وسجل سعر مزيج خام برنت 60.24 دولارا للبرميل بعد أن كان قريبا من 60 دولارا قبل دقائق من إعلان شركة الخدمات النفطية بيكر هيوز عن الإحصاء الأسبوعي لمنصات الحفر.
وقلصت العقود الآجلة للخام الأمريكي أيضا خسائرها لتسجل 49.98 دولارا للبرميل مقارنة مع 49.59 دولارا قبل صدور البيانات.
وكانت هذه علامة عن أن منتجي النفط الصخري الأمريكيين الذين كانوا قد أغرقوا السوق بإمدادات الخام تراجعوا ثانية مع انخفاض الإنتاج بعد هبوط منصات الحفر في حقول النفط الصخري بمقدار 33 الأسبوع الماضي.
إذن اقتربت استراتيجية النعيمي من النجاح إلى حد ما وإن كان الوقت مبكرا لإطلاق الحكم النهائي.
ولا يزال النعيمي يدافع عن قرار أوبك بعدم التدخل في السوق ووصفه له بأنه قرار تاريخي وسيثبت التاريخ مدى صحته كما أوضح في كلمته التي ألقاها في العاصمة الألمانية برلين الأربعاء الماضي.
ولم ينس النعيمي أن يجدد ترحيبه بالنفط الصخري كمصدر إنتاج مهم لتلبية الطلب العالمي والذي سيحتاج إلى كل مصادر النفط في العالم.
لكن المهم هو أن تبقى السوق متوازنة كما قال، وأن يستشعر المنتجون خارج أوبك مثل الولايات المتحدة وكندا والبرازيل وروسيا والمكسيك والنرويج وغيرها أهمية التفكير في الحفاظ على استقرار السوق في المدى البعيد.

