الكراهية صناعة، الكراهية زراعة، الكراهية تربية، الكراهية تعليم، الكراهية تلقين، الكراهية حقن.
في المرحلة الابتدائية عشنا معظم أنواع (التهديد) عبر صناعة وزراعة الكراهية. فالمعلمون أول ما يعلموننا ويفهموننا ويحفزوننا عبر إبراز وإظهار قوة وعبث وجبروت (القلم الأحمر) فهو مظهر ثقافي وتهديدي مضحك ومقلق في الوقت ذاته، ومن يستخدمه من المعلمين فهو مريض ومثير للشفقة. فهو لا يعرف التعامل معنا ونحن أطفال أبرياء. فالقلم الأحمر، لون الكراهية الإجبارية، فمن لا يجيب صواباً فنستخدم ضده القلم الأحمر. أما القلم الأخضر فلا نشاهده إلا نادراً، لهذا أصبحنا نألف (الدوائر الحمراء) في شهاداتنا وأوراقنا. وأول ما علمونا في المرحلة الإعدادية اللغة الإنجليزية، علمونا كلمات عن الحيوانات مثل: البقرة، والكلب، والحمار. وكأنها كانت كلمات تعبر عن البيئة وحمل بين سطورها الكثير من الاستهزاء والاستخفاف بعقولنا.
ولم تكن تلك الكلمات مألوفة أو متسقة أو منسجمة مع بيئة بلادنا الصحراوية. ثم وصلنا المرحلة الثانوية العامة واعتقدنا أننا سوف نجد أمامنا حوار العقول والثقافات الذي يستطيع إزاحة الحواجز الكبيرة من جدران الكراهية. فعلمونا الكفر بالآخر وتكفيره، وعرفنا التشدد والتطرف والغلو، بل إنهم حددوا لنا معالم وطرق جهنم والنار. وقد صدمنا بغلق الأبواب وبناء جدران عدم التحاور، واعتبروا المناقشة قلة أدب ووقاحة. وعندنا التساؤلات المحيرة. كنا في انتظار الانفتاح على الآخر، والبعد عن الكراهية، وإزالة وهدم كل جدران الكراهية التي بنيت بيننا، وبيننا وبين الآخر.
كم نحن في حاجة لإسقاط هذه الجدران. فمن يستطيع إسقاطها دون أن يجرح أحدا. وإلغاء العزلة الدينية والفكرية والثقافية. نريد بناء ستار وقائي يحمينا من الكراهية، حتى لا نكون ويكون أبناؤنا وشبابنا فريسة سهلة تتغذى بأيديولوجيات الكراهية. أما الهدف الأبعد لنا فهو رقي كل قدرة على المقاومة لدينا لمحاربة الكراهية وأساليبها. وأن نلغي الهستيريا التعذيبية لنفوسنا التي تحب الكراهية عبر تعطيل إرادة الشخص أكثر كراهية للمجتمع. إن الكراهية تشكل مدخلا لقتل الفرح والسعادة في نفوسنا يمكن للجميع تجنبها بأن نربي هذه الأجيال على مقاومة الكراهية والصمود ضدها.
نحتاج وعيا تاريخيا فاعلا يعتصم بأخلاق العقيدة في التفكير، وتحلية النفس بقيم الاعتراف بالمحبة والإصغاء لها، وإمساك النفس عن قول الكراهية والتخلي عن التعصب المرضي للأفكار التي يكونها المرء لنفسه ويتشرنق فيها. حتى لا تنهار قواعد الجدل في ميدان القضايا الاجتماعية وغيرها، لا بد من الابتعاد عن طغيان المنزع الادعائي بامتلاك الحقيقة.
والله يسترنا فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض، وساعة العرض، وأثناء العرض.