الأسبوع الماضي انشغل العالم بلون فستان، وانشغلت أنا بنوع بنطال.
أما الفستان فتبدأ قصته من فتاة إسكتلندية تدعى “كيتلين ماكنيل” والتي نشرت صورة بمواقع التواصل الاجتماعي لفستان اختلفت الآراء حول لونه الحقيقي، البعض يرونه باللونين الأبيض والذهبي، والبعض الآخر يؤكدون أنه باللونين الأزرق والأسود، وبينهما فئات أخرى أقل عدداً رأته بتدريجات لونية مختلفة.
انتشر الأمر على مواقع التواصل الاجتماعي للدرجة التي جعلت من لون الفستان قضية عالمية شارك فيها مشاهير الفن والرياضة.
السبب العلمي في تضارب رؤيتنا لألوان الفستان الحقيقية يكمن في الطريقة التي اعتادت بها عيوننا وعقولنا أن تميز اللون في الضوء وفي الظلام، وكيف أن العقل يحاول عمل إزاحة للألوان لكي تبدو دائماً كما يجب أن تكون عليه، وليس كما هي في الواقع الفعلي.
الأمر يتقاطع أيضاً مع مستقبلات الألوان المختلفة (خصوصاً الزرقاء منها في حالتنا تلك)، وكيف أن تلك المستقبلات لا تتواجد بالكثافة ذاتها عند جميعنا، ولهذا تختلف رؤيتنا للأشياء.
وبناء عليه، وهذا هو الأهم، فقد نكون مختلفين في تلقي أنماط لونية أخرى كثيرة حولنا طوال الوقت دون أن ندرك أننا مختلفون! من يدري.
ربما يحدث هذا بالفعل ولكن لم يفكر أحدنا يوماً في جعل الأمر جدليا على مستوى دولي، شكراً تويتر.
وبالمناسبة فإن اللونين الحقيقين للفستان، تبعاً لمصممته، هما الأزرق والأسود.
أما البنطال الذي شغلني، وبمناسبة اللون الأزرق، فهو البنطال الجينز، فقصته شيقة للغاية وتصلح للتأريخ لفترة من التطور الإنساني.
ففي القرن الـ19 كانت موسيقى كل من “يوهان شتراوس” الأب والابن تصدح في أرجاء النمسا ويتردد صداها في كافة أنحاء أوروبا، لكن “شتراوس آخر”، من أصل ألماني أيضاً، كان على موعد مع المجد.
.
“ليفي شتراوس” كان بائعاً متجولاً في أمريكا يبيع الملابس وأشرعة المراكب، زبائنه من البحارة وعمال المناجم.
لاحظ أن ملابس العمال كثيرة التمزق فقرر ببساطة أن يصنع بنطالاً من الأقمشة القوية الزرقاء لأشرعة السفن، وسميت “جينز” نسبة إلى مدينة “جنوة” الإيطالية التي كان يأتي منها هذا النوع من القماش.
وأنشأ بعد ذلك مصنع “ليفايز” وهو الماركة التي لا تزال تحيا بيننا حتى الآن.
اتسعت شريحة زبائن “ليفي شتراوس” لتشمل رعاة البقر وعمال المناجم وعمال حقول البترول وغيرهم.
عند هذا الحد كان “الجينز” مجرد بنطال لأبناء الطبقات المتدنية.
وأعتقد أن أصل هذا البنطال أقدم من “ليفي شتراوس” ويعود إلى إنجلترا أوائل القرن الـ17، وكان يُصنع من قماش “الدنيم” (وهو نسيج قطني قوي يصبغ في الغالب باللون الأزرق).
الطفرة الحقيقية حدثت في ستينيات القرن الماضي، وأصبح البنطال الجينز بمثابة رمز حركة الاحتجاج لدى الطلبة، خصوصاً في فرنسا.
بعد هذا المدخل السريع سنرى كيف أن للبنطال الجينز قصصا طريفة تتعلق بالتراكم العلمي والتطور البشري، ولكن هذا سيكون موضوع مقال تال إن سمح العمر.