في 1969 أخرج Dariush Mehrjui داريوش مهرجويي فيلم «البقرة» الذي أسس به اتجاه الواقعية الإيرانية الجديدة المرتكز على التغيرات التي تعتمل في النفس البشرية وتأثيرات الحياة اليومية فيها.
ونذكر هنا بالفيلم لدوره التأسيسي لهذا الاتجاه، فقصة الفيلم التي تدور حول ثيمة الفقر والجوع والخوف، من خلال سكان قرية صغيرة، فيما يظهر «حسن» الشخصية الوحيدة التي عبر تملكها لبقرة، تمكنت من الحصول على مكانة اجتماعية، ما يجعله يعاملها بطريقة فيها الكثير من الحب، إلا أن تلك المكانة تزول بموت البقرة، التي تتسبب في إصابة حسن بلوثة عقلية!الفيلم بكل حمولاته الرمزية وتكوينه الدرامي والموازنة بين مشاهده الداخلية والخارجية، مع فطرية النماذج الإنسانية والبيئية، يعطي إحساسا بالصدق إلى درجة العفوية المدهشة، وتأتي المؤثرات الصوتية الطبيعية والتراكيب البصرية برمزيتها وجمالياتها لتزيد من حالة التماهي عند المشاهد، والتكثيف في الحوارات وعدم الاسترسال فيها، مع دوران الكاميرا المتلصصة، في رصد مظاهر البؤس الإنساني في أجلى صوره، فيما لعب إظهار المعتقدات والتقاليد التي ترزح تحتها تلك الشرائح من الإيرانيين.
.
على تأسيس لخط الواقعية في السينما الإيرانية.
القصة الإيرانية شكلتها منذ البداية، خيوط من تأثيرات السينما الهندية التي كانت عروضها حاضرة بقوة في الخمسينات، واعتمدت حينها على الوعظ، فيما لعب الأدب الإيراني القديم دورا بارزا في ترسيخ عناصر الميلو دراما في السينما الإيرانية.
يعود المؤرخ السينمائي جورج سادول في كتابه (تاريخ السينما العالمية) بالسينما الإيرانية إلى عام 1900، يوم كان الشاه الإيراني مظفر الدين شاه في زيارة لإحدى الدول الأوروبية ورأى جهاز البث السينمائي وآلة التصوير فأعجب بهما، وأحضر إلى إيران أول كاميرا تدخل البلاد.
بعدها بسنوات كان هناك مجموعة من المخرجين الأوروبيين يقومون بإنتاج وإخراج أفلام إيرانية، منهم: أفانيس أوهنيان الذي أخرج أول فيلم إيراني بعنوان «آبي ورابي» في 1930.
أول كاميرا الواقعية ممنوع يمكن تلمس مفردات اللغة السينمائية الإيرانية في العصر الحديث، وبالأخص سينما التسعينات ما بعد الثورة الإسلامية في إيران، عبر قائمة المحظور في مفردات سينمائية معروفة في لغة السينما، إلا أن التحول السياسي من حكم الشاه لحكم الملالي ألقى بظلاله الثقيلة على اللغة السينمائية، لنجد أولها الحضور المشروط للمرأة سينمائيا عبر حجاب شرعي، فضلا عن منع مشاهد العناق أو التقبيل كونها تشكل إخلالا بالأدب العام.
1 أفلام المخرج مجيد مجيدي تدور حول قصص بسيطة، وحبكة محكمة، تحمل مسحة شاعرية روحانية، ورسالة إنسانية عامة.
قد تكون هذه السمات هي التي جعلته الأشهر بين المخرجين الإيرانيين على المستوى الجماهيري المحلي، كونه يستخدم ممثلين غير محترفين يؤدون أدوارا في غاية الحساسية، مما يعطي صبغة واقعية إنسانية أكثر للأحداث.
لتكون اللغة الإنسانية العامة، طريقه للوصول للعالمية.
2 المخرج أصغر فرهادي تعد شخصيات أفلامه نماذج للإنسان الإيراني المعاصر متأرجحة بين الخير والشر، يهتم بأن يكون أداء الممثلين والممثلات في أفلامه عفويا ومؤثرا.
3 المخرج محسن مخملباف وعباس كياروستامي تميزا بجمالية الصورة والاستعارات الرمزية المحملة بتأثيرات إنسانية وبنقد ثقافي واجتماعي صارخ وغير مباشر.
تفرد أوسكار الـ 10 سنوات الأخيرة وضعت السينما الإيرانية في قائمة التميز السينمائي، بفضل حضورها الطاغي في المهرجانات العالمية، وحصد الجوائز الدولية سواء على مستوى السينما الروائية أو التسجيلية، بالإضافة إلى سينما الطفل.
تأثير «إنسانية راقية»، هكذا يصف الإيرانيون سينماهم لماذا.
ليس هذا هو السؤال لأن الإجابة حاضرة على ألسنة صناعها «السينما الإيرانية تحترم القيم ولا تتاجر بجسد المرأة، ولا تغطي بالعنف تفاهة المضمون ولا تعتمد على الإبهار».
ويؤكدون أنها سينما بالغة البساطة وتحمل رسالة في الإطار القيمي للحضارة الإسلامية.
الأفكار والقصص في السينما الإيرانية تشكل أبعادا عدة وتحمل عمقا مدهشا سواء على مستوى السيناريو أو على مستوى الشخصيات، والحقيقة أن هذه الأبعاد تتنوع كثيرا بين الفكرية والاجتماعية والروحية والسياسية.
مفردات لغة وتوليفة سردية ينبني عليها الفيلم الإيراني، فيما تعمل عدة خطوط على إكساب السينما الإيرانية طابعها الخاص، منها الحضور الديني الذي تعبر عنه مشاهد لا يكاد فيلم إيراني يخلو منها مثل مشهد لأحد ممثليه وهو يؤدي الصلاة، أو صوت الأذان، ناهيك عن تعبيرات الحمد والدعاء الإسلامية.
المتابع للفيلم الإيراني لن يفوته الالتقاط المبهر، الذي تقوم به الكاميرا للتعبير عن أبعاد معينة داخل نسق الفيلم، فهي سينما تعتمد على الإيحاء والترميز من خلال توظيف الكاميرا لدرجة يختفي فيها الإحساس بوجود كاميرا، وتعمل على استلاب بصري وفكري ونفسي حقيقي للمشاهد.
وهذا ما يجعلها تقدم بديلا يتناسب مع سياقها العام عن لقطات الصخب البصري، وينأى عن ألعاب التصوير من زوايا متعددة مرهقة بصريا ومشتتة ذهنيا لا ترمي إلا لحدوث إثارة لحظية .