تواجه دول الخليج العربية مأزقا حقيقيّا في تأمين مواردها المائية، التي بدأت تشحُّ وتنضب تدريجيّا لعوامل طبيعية عديدة، أهمها ندرة الموارد المائية الطبيعية، وقلة هطول الأمطار، وارتفاع معدلات البخر.
وتشير دراسة «أمن الموارد المائية في دول الخليج العربية: الواقع والمستقبل» إلى أن هذه الخصائص انعكست بوضوح في قلَّة الموارد المائية المتجدِّدة، وفي محدودية الأراضي الصالحة للزراعة في دول مجلس التعاون الخليجي، وأدَّى الاعتماد المستمر على محطات التحلية إلى إرهاق الميزانية العامة لهذه الدول، وإلى حدوث مضاعفات سلبية على النظم البيئية فيهـا.
الوضع الحالي للمياه خليجيا
ترى الدراسة التي أعدها أستاذ في جامعة نايف للعلوم الأمنية بالرياض الدكتور طه بن عثمان الفراء، أن أربع من دول الخليج العربية الست تعد من بين أكثر عشر دول في العالم تعرُّضا لندرة المياه، وتأتي الكويت بمعدل 10 أمتار مكعبة للفرد في العام على رأس ترتيب الدول التي تُعاني من ندرة المياه في العالم، والإمارات العربية المتحدة بمعدل 58 مترا مكعبا للفرد في العام بالمركز الثالث، وقطر بمعدل 94 مترا مكعبا للفرد في العام بالمركز الخامس، والسعودية بمعدل 118 مترا مكعبا للفرد في العام بالمركز الثامن، أما دولتا الخليج الباقيتان البحرين وعُمان؛ فتستهلكان على التوالي نسبة 2.8 و1.5% أكثر مما لديهما من موارد مائية.
استراتيجيات مواجهة
تطرح الدراسة العديد من الأفكار الاستراتيجية لمواجهة التحديات السابق ذكرها؛ وتوجزها في ثلاث نقاط:
1 - استيراد المياه عبر الأنابيب: على سبيل المثال مشروع «أنابيب السلام»، وقد تجدَّد طرح المشروع عقب انطلاق مؤتمر مدريد لمفاوضات السلام في الشرق الأوسط عام 1991؛ حيث كان على أجندة المفاوضات المتعددة الأطراف، إلا أن عوامل عدة -اقتصادية وسياسية- حالت من دون أن يصبح المشروع واقعا ملموسا.
2 - استمطار السحب: وذلك باستخدام التقنيات الحديثة لاستمطار السحب.
3 - نقل جبال الجليد العائمة؛ حيث تُعَدُّ هذه التقنية متقدمة؛ إلا أنها لم تُطَبَّق حتى الآن؛ وهي من حيث التطبيق العملي مكلفة للغاية؛ ناهيك أن استيراد المياه يتأثَّر بالأوضاع والعلاقات الدولية.
5 سيناريوهات متوقعة
تطرقت الدراسة، التي عرضها مركز دراسات الجزيرة، إلى الوضع المستقبلي للمياه في دول مجلس التعاون الخليجي، وأشارت إلى أنه يمكن وضع مجموعة من السيناريوهات تنطلق من الواقع العملي وتحدِّده وتؤيده استراتيجيات التنمية؛ خاصة أنها تأتي في إطار مشروعات الإنماء؛ التي يتبنى بعضها البنك الدولي؛ ومن أهم هذه السيناريوهات:
1 - الاستثمار الزراعي في بلاد الوفرة المائية في إطار برامج البنك الدولي للإنماء في دول مثل: السودان، والفلبين، وإثيوبيا، وأوغندا، وتركيا، وتنفذه بعض دول الخليج حاليّا.
2 - سرعة إنجاز الاستراتيجية الشاملة لتنمية الموارد المائية لدول الخليج العربية.
3 - التعجيل بمشروع الربط المائي بين دول الخليج العربية أسوة بمشروع الربط الكهربائي.
4 - وضع خطط استراتيجية للبحث العلمي في مجالات تكنولوجيا تحلية المياه.
5 - إقامة مشروعات زراعية عربية/تركية تقام على أراضٍ عربية، وتُروى بمياهٍ تركية يتقاسم الطرفان ريعها في إطار قانوني.
أسباب تزايد الطلب على المياه
هناك ثلاثة أسباب رئيسة متداخلة ومترابطة تؤدي إلى زيادة الطلب على المياه: أولها زيادة السكان في دول الخليج العربية، والثاني زيادة الطلب نتيجة احتياجات التنمية، والثالث الإفراط الزائد في أنماط الاستهلاك المحلي للماء في هذه الدول.
سجَّل الطلب على المياه في دول الخليج العربية خلال السنوات العشر الأخيرة زيادة وصلت إلى ما يناهز 140%، وكانت الكويت إحدى الدول التي تجاوزت نسبة الطلب على المياه للاستخدامات البلدية، وليس من المتوقَّع أن يطرأ تغيير كبير في هذا التوزيع لمخصصات المياه في المستقبل في معظم بلدان المنطقة؛ وعلى كل حال فإنه من المتوقَّع أن تنخفض حصة القطاع الزراعي الإجمالي لدول الخليج العربية من متوسط قدره 63% عام 1995 إلى 48% عام 2025.
وخلال العقود الأربعة الماضية تضاعف عدد السكان أكثر من خمس مرَّات؛ وذلك من نحو 8 ملايين نسمة في 1970 إلى نحو 43.5 مليون نسمة في 2010؛ حيث يبلغ معدل النمو السكاني الحالي في دول الخليج العربية نحو 3%، الذي يُعَدُّ من أعلى المعدلات في العالم.
وفي ظلِّ النمو السكاني وزيادة الطلب على الغذاء صاغت معظم دول الخليج العربية سياسات زراعية طموحة؛ تهدف إلى تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية والاكتفاء الذاتي من الغذاء، وأصبح القطاع الزراعي المُستهلِك الأكبر للمياه، وذلك بنسبة تصل إلى أكثر من 85% من إجمالي المياه المستخدمة في هذه الدول.
توصيات
تؤكد الدراسة على أن المياه العذبة تعد ثروة نادرة، وأصبح توافرها أكثر صعوبة بسبب الضغط السكاني، وسوء الإدارة، والتغير المناخي، وتُعَدُّ مياه البحر المحلاة موردا شديد الأهمية بالنسبة إلى توفير احتياجات سكان دول الخليج العربية، والاقتصادات الحديثة التي أصبحت تعتمد على التحلية، وفي حال حدوث انقطاع إمدادات المياه لفترات طويلة؛ فإن ذلك سيترك عواقب خطيرة تهدِّد الاستقرار السياسي والاجتماعي في الدول المتأثرة؛ ولذلك ينبغي التوصُّل إلى فهم أفضل للتهديدات المحدقة بإمدادات المياه، وتحديد درجات جاهزية تعلن بها المؤسسات الحكومية المعنية بإنذار مبكر، وفي الوقت ذاته يدرس التدابير الوقائية والإجراءات المخففة التي يمكن أن تضمن الأمن المائي للجميع؛ وذلك إلى جانب سرعة إنجاز الخطط التنفيذية لسيناريوهات المواجهة المقترحة التي وردت في هذا التقرير.

