(1)
لعل الفرصة سانحة الآن، لأن يعرف الذين تابعوا قضية (دكتوراه السريحي) - وهم ولله الحمد كثيرون - حقيقة (التيار الظلامي) الذي نبت في أرضنا فجأة، بتأثير مباشر من (إخوان الإسلام السياسي)، الذين أرادوا لأهل البلاد سوءا، لم يستطيعوا تحقيقه في بلدانهم الحقيقية، ليجد بعض (رفقتنا) في غايات ذلك التيار وسيلة لأخذ زمام المبادرة في الحصول على استحقاقات سلطوية نفعية، بزعم أنهم هم الذين (أوقظوا) الناس لدينا من (غفلة نومة مريرة)!!
(2)
هل (عرف) المجتمع (العاطفي) لدينا أن تعاطفه مع الذين قادوا خطابا دينيا في مجتمع (متدين أصلا) تعاطفا ساذجا، لم يكن له مبررا على الإطلاق، ونحن في أمس الحاجة لتحقيق أهدافنا الوطنية التعليمية والثقافية والعلمية، في مرحلة (حاسمة) من تاريخ وطننا ومجتمعنا!
هل (عرف) مجتمعنا (الذي أكد على نفسه الغفلة والنوم على الذنوب والمعاصي المهلكة، باستجابته لتجليات خطاب الغفلة إياه) كيف كانت الوسائل تدار (بالدسائس) السرية، و(التقارير) من تحت (طاولة الحقيقة)، و(الإعلان) عكس ما (تضمره) النفوس (الرخيصة)!
هل (عرف) مجتمعنا (الغلبان) كيف استخدم أساتذة أكاديميون في جامعاتنا (الدين) سبيلا لتحقيق مآربهم في معارضة كل من لا ينتمي إلى (تيار الجماعة)، حتى ولو كلف الأمر (حجب) رسالة دكتوراه، كتبت على أسس مثالية من نداءات البحث العلمي الرصين للموضوعية والشمولية والعلمية والتراكمية (التي يمتد فيها الباحث عموديا في سلم المعرفة، بدلا من الاتجاه أفقيا لتمرير الخطابات القديمة) بجهد وعرق وتعب السنوات الطوال! ولا شك أن (الدين) هو وسيلة أصحاب تلك التيارات الظلامية المتطرفة للحصول على مكتسبات مادية، سواء أكانت على مستوى المؤسسات الداخلية للبلاد، أو على المستوى السياسي العام!!
ثم هل (عرف) مجتمعنا (المضحوك عليه) كيف (يكذب) شيخ برتبة أستاذ جامعة، في اللحظة ذاتها التي كانت (صحيفة مكة) و(صحف الكترونية) تنشر (التقارير) الاستخباراتية، التي تثبت كذبه وافتراءه على الحقيقة والحق!
(وبالتأكيد) فإن مجتمعنا عرف قبل هذا (حقيقة) الرموز (الداخلية)، بعد أن شاهد أفراده بأم أعينهم واقعا يعيشه هؤلاء، غير (الخطاب) الذي يسمعونه (منهم).. في تواطؤ عجيب لجدلية (الخفاء والتجلي).. (الإعلان والإضمار).. (الدين الخالص، والدين كوسيلة لمكتسبات سلطوية) ما!
(3)
لم يكن مهما على الإطلاق إعلان الاستجابة الكاملة لتجليات الحداثة أو العلمانية أو الليبرالية، وإنما كان (عقلاء) المجتمع من المثقفين والأكاديميين وقادة المؤسسات التعليمية والثقافية يهدفون لإيجاد ذلك (الإنسان..الحديث) المولع بالقراءة والمعرفة، الذي يربأ بنفسه عن تكوين مبادئه وقناعاته بأقوال شخصيات (يؤخذ منها ويرد)، والذي يضبط دائما عواطفه ونزعاته بفكر عقلاني علمي رصين، ويشرع نوافذه لكل شاهد علم أو أدب أو فن، لا يعارض حقيقة ثوابت دينه الجليل، ويمتلك نزعة إنسانية حضارية تصبغ ممارساته وأفكاره بروح التسامح الإسلامي والتفاعل الإيجابي مع الثقافات الأخرى، التي كانت المشهد الأكثر بروزا في حقبة ازدهار الأمة العربية الإسلامية عبر تاريخها المديد!
وإذا كانت تلك النداءات المستحقة من أجل إيجاد (الإنسان الحديث).. (إنسان الحضارة).. (إنسان الخلافة) تتماهى مع بعض أو معظم معطيات (الحداثة) أو (العلمانية) أو (الليبرالية)، فهل نتركها لأن (أشخاصا) قالوا بأنها: (وحشة) و(كافرة)
و(ضالة)؟!
لأن الحال يفصح عن مآس انتهى إليها مجتمعنا منذ ما يقارب الـ(أربعة عقود)، جعلته رهينا لبقعة ضيقة من الأرض، بعيدا بعيدا عن (مجتمعات المعرفة والحضارة)!
(4)
مجتمعنا بفعل خطابات (الهدم) و(التقارير السرية) إياها، أصبح بمعزل عن مستجدات العلوم، وعن تجليات الجمال في الآداب والفنون، صار (يقدس) الأشخاص، ولا يقرأ (النصوص)..
مجتمعنا هو ذاته - الآن - الذي يكتب (واحد) منه، في وسائل تواصله الاجتماعي “باقي على رمضان ٨٨ يوما” فيرد عليه (عقله الآخر): ما هذا الاكتشاف (الخطير)؟!، ويكتب الآخر للناس “رحم الله أمي وأبي وأسكنهما جنات الخلد” فيرد عليه (عقله الآخر): ومتى صار دعاء العبد لربه بوسائط وإعلانات؟!! ويزفر ثالث برسالة عاجلة (قاطعوا معرض الكتاب.. انشر تؤجر) فيرد عليه (عقله الآخر):
(لااااا.. الوضع من جد خطير.. ما بها طب يا صاحبي)!!