جاء كاستشاري زائر إلى المملكة العربية السعودية، ورغم مرور أكثر من ربع قرن، إلا أنني عرفته بهيئته المهيبة وجسده الضخم، كان الدكتور فوزي يعمل أستاذا بقسم الجراحة، وفي الوقت نفسه نائب مدير مستشفى الحسين الجامعي بجامعه الأزهر، حيث عينت طبيبا مقيما ثم نائبا بقسم أمراض الباطنة الدور السابع أنا وصديقي الأثير، وكان الرجل من أهل المنطقة المحيطة بالمستشفى، وبعد صلاة الفجر يخرج بسيارة المستشفى ليجلب عددا كبيرا من العجائز المرضى وفاقدي الوعي من حول جامع الحسين بن علي رضي الله عنه، «والذي سميت المنطقة باسمه» ليدفع بهم إلى أقسام المستشفى للعلاج، ودائما كان نصيبنا عددا لا يقل عن ثلاثة أو أربعة من هؤلاء فاقدي الوعي، نتيجة جلطات أو نزيف بالمخ تم إهماله أياما وليالي، وكنا نرى في عيون هيئة التمريض غضبا ورفضا، يتحول في بعض الأحيان إلى اعتراض لأنهم يقومون بتنظيفهم من الفضلات العالقة بهم جراء النوم بالشارع لأيام، قبل أن تبدأ رحلة العلاج بالكشف الإكلينيكي والفحوصات المخبرية والإشاعات، ثم أيام تطول أو تنقص من العلاج والنهاية الحتمية الموت، نعم الموت.
ذهبت إليه يوما وقلت أعلم أن هذا حقهم علينا، ولكن لن أقول لك ما أعانيه من أساتذتي والتمريض والهيئة العلاجية كلها، ولن أقول لك اتهاماتهم لنا بأننا نستسهل أن نملا أسرة وحدتنا بحالات لا مناقشات علمية حولها، ولا إرهاق في تحضيرها ودراستها، فأسكتني الرجل بحزم وقال «أنت قلتها هذا حقهم علينا، وهذه أموالهم ترد إليهم قبل أن يغادرونها»، وأصبحنا بين يوم وليلة مثار ضحك واستهزاء أغلب الزملاء، وتقدير أقليتهم.
بعد عدة أشهر طلبني رئيس قسم أمراض الباطنة، وكان الود بيننا شبه منقطع، وما إن دخلت عليه حتى صاح: «متى ستحولون المستشفى إلى مقبرة يا سي....؟»، وخرج الدكتور فوزي في أول تعديل إداري، وفرغت أسرة وحدتنا من مرضى الحسين بن علي، الذين غادروا ليواجهوا مصيرهم في الحواري المظلمة حول مسجد الحسين، وصار واجب علينا أن نملا أسرة وحدتنا بالحالات المعقدة علميا، وكلما مررت بحجرة رئيس القسم أقول في سري: «نعم فشلنا في تحويل المستشفى إلى مقبرة»!
عندما فشلنا في تحويل المستشفى إلى مقبرة!
عصام موسى2 دقائق للقراءة

حجم الخط
