(يا أغلى من أيامي، يا أحلى من أحلامي، خذني لحنانك خذني، عن الوجود وابعدني، بعيد أنا وإنت، آه، بعيد وحدينا، عالحب تصحى أيامنا، عالشوق تنام ليالينا).
كانت حنجرة سحر الشرق تصدح من صناديق استنطاق الأثير، التي يتجمع حولها أفراد الأسرة العربية من المحيط إلى الخليج، فتتبتل أحاسيسهم وتحلم مداركهم، وتهفهف الأنفس، وتستجلي العقول تلك الصور العاطفية الحميمة الشاعرية، وتغمض الأعين لتكتمل الرتوش، وتنطلق إلى أبعاد التخيل السحري، الكامن خلف المدى، وتفجر بينهم ينابيع سعادة بلوغ قمة روعة الحلم للإدراك والمشاعر؛ هكذا كان الحال حين كان للعقول والأفئدة والمشاعر قيمة وأمل.
واليوم ماذا يمكن أن تسمع هذه الشعوب العربية التعيسة، وبعد أن دارت بها الأقدار وتحدر إنسانها لقيعان الكره والحقد، وذبحته الحاجة، ورزح تحت وطأة الظلم، والغش والخداع والوهم، والتعلق بالعهن المنفوش.
هذا الأشعث الأغبر في عمق جوفه، ورغم تحسن ظروفه المعيشية، لم يعد من الممكن ترطيب مشاعره المتبلدة، وتطرية عرى قلبه المحترقة، وعقله المتفجر، وعينه المكتحلة بالعجب، وكيانه الذي شرب المر من (كيعانه)!.
كل شيء حوله لغز يتفجر، فلم يعد يبحث إلا عن استقرار لحظته، ودوام لقمته، ونجاة عقله من ألسنة المدعين المسمومة.
لم يعد في حياته أمل مرئي يحلم به، ولا ملموس قريب نقي لم تطله أيدي الفساد والتشويه والخوف والشك والخيانة، فذاب ملح الخيال بمرارة صِبر الواقع المعاش.
ويصيب الجفاف ترانيم مصبات شلالات الخيال والنور، وهي تتباكى على جفاف مواطن حسن الماضي، فتفزعنا بحنين أعياه البحث عن بقايا قطرات الجمال: (كان غير شكل الزيتون، كان غير شكل الصابون، وحتى إنتا يا حبيبي مش كاين هيك تكون)، فنشعر بمصداقية الحنين، حين يخنق اليأس والحزن والإحباط براعم زهور أحلامنا بطعم زيتونة من عهد الطيبين، يختلط فيها ريق الحلم والروعة بطعم الطيبة والسلام والأيدي النقية، والتي رغم قسوة حياتها، إلا أنها تظل تعمل وتحلم بالبعد عن هذه الأرض الملغمة بألسنة الأشقياء المتوعدين بنذير الموت المحتوم، وخرافات جناتهم الموعودة، وفهمهم المكذوب.
وقد يأتينا صوت النافخ في خرقة مبتلة بالذل والضياع، محاولا ترطيب قسوة الجو العكر، فيكوي بالنار والنشأ ما تبقى لنا من مشاعر دموية مشتتة متملقة متكلفة: (يا أبو بكر يا بغدادي يا أمير المجرمين، شكلك غشيم وفاضي، ومعاك حبة مجانين، ااايه، خلافة أية يا أبو خلافة ما تصلِّ على الرسول، كلامك كله خرافة، مين الى باعتك قول، الناس مابقتش تخاف من القنبلة ولا من البمب، بطلوا بقى زرع قنابل، وازرعوا قلقاس وكرنب).
وهنا تتمثل أسوأ صور مأساة شعوبنا العربية المنكودة جملة وتفصيلا، فالحال أسود مترد، في الدين والسياسة والمعرفة والثقافة والفن والحلم والخيال.
صدقوني نحن بحاجة لإعادة ترميم جميع ما يحيط بنا، بداية بعقولنا وحواسنا، ومشاعرنا، إن عدنا ووجدناها.