لا أحد يختلف على أن إنتاجية موظف القطاع الحكومي ضعيفة، ولا تتجاوز يومياً ساعتين في معظم الجهات الحكومية، بل تصل في بعض الأجهزة إلى ساعة واحدة، وأن زيادة ساعات الدوام الرسمي للقطاعات الحكومية التي اقترحها مجلس الشورى إلى ثماني ساعات يومياً قفزت كل الإجراءات المتعارف عليها لحل المشاكل الإدارية، فقد عمد مجلس الشورى إلى تقديم الحلول قبل البحث عن أسباب المشكلة وتحديدها بشكل دقيق، فالاعتراف بالمشكلة ووجودها لا يوفر الحلول الصحيحة للمشكلة ما لم يكن هناك تحديد دقيق لأسبابها.
ولم يكلف الشورى نفسه بالاستعانة بالجهات الرقابية أو على الأقل مراجعة تقارير هذه الأجهزة حول أداء الجهات الحكومية التي تمتلئ بها أدراجه، ويناقشها نهاية كل عام، ويبدي عليها ملاحظات روتينية تكرر كل عام، أو الاستعانة بمركز قياس الأداء الحكومي في معهد الإدارة العامة لتقديم تصور لحلول منطقية ومثالية تعالج ضعف إنتاجية الموظف الحكومي.
والتبريرات التي قدمتها لجنة الإدارة والموارد البشرية في المجلس ودعمت بها اقتراح زيادة ساعات العمل اليومي ركزت على زيادة الإنتاجية في القطاع الحكومي، واستغلالها في تسريع وتيرة التنمية، وتقليص الفجوة بين ساعات العمل في القطاع الحكومي والخاص ليكون الأخير جاذباً لعمل السعوديين والاستفادة من الفرص الوظيفية الكبيرة الكامنة في هذا القطاع لاستيعاب الأعداد المتزايدة من المواطنين الداخلين إلى سوق العمل سنويا غير مقنعة، وتتناقض مع الواقع.
فالدراسات الأكاديمية تؤكد أن التسيب الإداري سبب في ضعف إنتاجية الموظف الحكومي، منها دراسة لمعهد الإدارة العامة أن نصف موظفي الأجهزة الحكومية يتأخرون عن أعمالهم، وأن 54% منهم يخرجون أثناء وقت الدوام لإحضار أولادهم من المدارس أو إنهاء بعض الأعمال الخاصة، و69% منهم يتغيبون بدون عذر، و95% من الموظفين يغادرون قبل نهاية الدوام بساعة، و22% يغادرون قبل نهاية الدوام بساعتين، و12% يغادرون قبل نهاية الدوام بثلاث ساعات، وعلمياً وعملياً لا يمكن أن تحصل على إنتاجية عالية في ظل غياب الانضباط والالتزام بأخلاقيات الوظيفة العامة، وتتطابق تقارير الجهات الرقابية مع نتائج هذه الدراسة، إذ تؤكد التقارير أن عدم الانضباط والالتزام بأوقات الدوام الرسمي سبب رئيس في ضعف إنتاجية الموظف، وما تشير إليه الدراسات والتقارير يتناقض مع رؤية مجلس الشورى التي ترى أن زيادة ساعات الدوام الرسمي هو الحل لزيادة الإنتاجية.
ومما سبق يمكن القول إن مجلس الشورى يعاني من مشكلة انفصاله عن الواقع والبعد عنه، وفقدانه القدرة على ترتيب الأولويات، والاستفادة مما يصله من تقارير الأجهزة الرقابية حول أداء الجهات الحكومية الخاضعة لرقابتها، والدراسات التي تقوم بها الجهات الأكاديمية، فالاقتراحات والدراسات أيا كانت طبيعتها، إن لم ترتبط بالواقع، وتستفيد منه في تحديد أسباب هذا الاقتراح، والسلبيات والإيجابيات التي يمكن أن تنشأ عنه لا يمكن أن تقدم حلولا عملية يمكن تطبيقها على أرض الواقع.
أعتقد أن تحديد أسباب انخفاض إنتاجية الموظف الحكومي بما فيها التسيب الإداري وعدم الالتزام بأوقات العمل الرسمية، والعمل على معالجتها خطوة أساسية لتحديد ما إذا كانت عدد ساعات العمل الرسمية الحالية كافية أو لا؟ ثم التفكير في زيادة ساعات الدوام أو تقليصه ثانيا بناء على هذه النتائج هو المسار الصحيح لمعالجة انخفاض إنتاجية الموظف الحكومي، لا سيما أن جميع التقارير والدراسات لم تشر إلى أن عدد ساعات الدوام في الجهات الحكومية كان سببا في ضعف الإنتاجية، بل كان الحديث عن إضاعة أو إهدار ما بين 5 إلى 6 ساعات يوميا بدون إنتاجية، هذه الساعات المهدرة لو استغلت بشكل صحيح وفعال لكانت كافية لإنجاز الأعمال الحكومية اليومية التي يغلب عليها طابع الروتينية، وتحقيق مستوى إنتاجية جيد.
خلاصة القول «كما أن لدى الجهات الرقابية والجهات الحكومية تقارير ودراسات تؤكد أن عدد ساعات الدوام الرسمي ليس سببا رئيسا في انخفاض إنتاجية الموظف الحكومي، وأن زيادتها إلى ثماني ساعات لن يحل المشكلة، ولن يؤدي إلى زيادة الإنتاجية، بل سيؤدي إلى زيادة الساعات المهدرة بدون إنتاجية، وارتفاع تكاليف فاتورة الخدمات المرتبطة بها كالكهرباء، والمحصلة النهائية لهذا المقترح أعباء مالية إضافية على الحكومة بدون مردود إنتاجي يوازي هذه التكاليف، فإن هناك دراسات وتقارير حكومية وأكاديمية لم تجد من ينفض عنها الغبار، ويستفيد منها، وأدراج مجلس الشورى منذ 22 عاما تؤكد ذلك.
زيادة ساعات الدوام نموذجاً للانفصال عن الواقع!
محمد العوفي4 دقائق للقراءة

حجم الخط
