قال مارتن إنديك أن الولايات المتحدة لا يوجد لديها سوى خيارين للتعامل مع الاضطرابات الحالية في الشرق الأوسط: "لشراكة" مع إيران، أو إعادة بناء تحالف إقليمي من "الوضع الراهن" بما في ذلك الجهات الرئيسي الفاعلة في المنطقة : الدول السنية وإسرائيل.
ويخلص إلى أن التوجه الإقليمي لإيران وأيضا تصميمها علي زعزعة الاستقرار كنوع من الضغط لتصبح شريكا ممكنا، لا يقابله إلا إعادة صياغة تحالف مع الدول العربية السنية وإسرائيل لتحقيق النظام في الشرق الأوسط.
مارتن إنديك – حسب " تمارا كوفمان ويتس " – يطرح تهجا بديلا ولكنه غير عملي في نفس الوقت وهذا التحليل يؤيد نوعا ما نظرية " العودة إلي المستقبل " التي تسيئ فهم الأسباب الحقيقية التي أدت إلي اختلال التوازن في المنطقة، ذلك أن شركائنا أنفسهم هم : المشكلة والحل في آن معا! والاختلالات الإقليمية التي أنتجت العنف الفوضوي اليوم سببها – حسب كوفمان - سياسات حلفاء الولايات المتحدة، الذين خلقوا المشاكل في الوقت الراهن ولديهم - وبنفس القدر – الوسائل الممكنة التي يمكن أن تساعد على حلها.
وما لم تساعد الحكومات الأكثر نفوذا في المنطقة علي معالجة الأسباب الكامنة وراء الاضطرابات التي تقع داخل تلك المجتمعات، وما لم تصبح الولايات المتحدة أكثر حزما مع حلفائها في هذا الصدد سوف تجعل الوضع أسوأ بكثير مما هو عليه الآن!.
الشرق الأوسط اليوم – كما تقول كوفمان - هو الفوضى بعينها.
وهو مصدر الاضطرابات، وليس كما يشاع أن السب هو " إخفاقات السياسة الأمريكية " كما يوحي مارتن إنديك.
لقد أدت المشاكل البنيوية المستمرة داخل هذه الحكومات ومنذ فترة طويلة إلي تقويض مؤسسات الدولة هناك مما أثار سخطا واسع الانتشار بين الشباب، الأكثر عددا وحركية وتطلعا للتغيير والإصلاح.
ولنتأمل أكثر الأجزاء اضطرابا في خريطة المنطقة : ليبيا وسوريا، حيث رفض القادة الديكتاتوريين الاستجابة للاصلاحات أو سماع أصوات الانتفاضات والمظاهرات الشعبية، وبدلا من ذلك استخدموا البطش والقوة لسحق مواطنيهم، ومع فشل تلك الأنظمة ومؤسسات الحكم برزت الميليشيات الطائفية والإرهاب والحروب الأهلية لتملأ الفراغ في المنطقة! لذلك يجب أن ننظر إلي تنظيم القاعدة وداعش وجبهة النصرة وغيرها المنتشرة في جميع أجزاء المنطقة علي أنها ( أعراض للإضطراب ) وليس السبب الرئيسي للإضطراب أو قل إنها " العرض " وليس " المرض " الذي ينبغي أن نبدأ بعلاجه حتي لا يستفحل ويصبح الإرهاب تهديدا وجوديا.
ربما يؤدي نشاط السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط إلي ( تخفيض ) حدة فشل مؤسسات الدول الحليفة في المنطقة وتقليل وتيرة الحروب الأهلية التي انبثقت عن السياسات الكارثية التي اتبعها كل من القذافي والأسد، لكن حتي مع انخراط أمريكا بالكامل في المنطقة لا يمكن استعادة النظام دون حلفاء إقليميين أقوياء مع حصة واضحة من توازن القوي تدفع الجميع لفرض هذا النظام الغائب والمنشود، وهو ما لا يوجد حاليا.
الوضع في الشرق الأوسط أعقد بكثير مما يتصور ذلك أن النظام القديم في حالة زوال وما نشاهده اليوم : إيران والمملكة العربية السعودية وتركيا العثمانية الجديدة وقطر المتأرجحة، تسعي كل منها إلي تشكيل المنطقة لتناسب مصالحها الخاصة، ويمكن عبر عبر وكلاء محليون في العراق وسوريا واليمن وليبيا ولبنان، والبحرين.
اما تركيز " مارتن إنديك " علي الصراع بين السنة والشيعة فهو واحد من ثلاث صراعات تموج بها المنطقة ( ليس من بينها الصراع العربي الإسرائيلي ) : هناك صراع حقيقي بين الإمارات ومصر وتركيا وقطر لوأد أو ترسيخ الإسلام السياسي في المنطقة! ناهيك عن أن ( الحرب الأهلية الليبية ) هي المحرك لأخطر صراعات المنطقة حيث تأجيجها يعيق التعاون في العراق وسوريا ويهدد وحدة مجلس التعاون الخليجي.
أما الصراع الثالث فهو بين الجهادين من التنظيمات الإرهابية الذين تحركهم فلسفة الموت ومن يرغبون في الحياة في العالم العربي الذي انخرط في هذا الصراع المفروض عليه لكنه يختلف حول أفضل السبل في محاربته! العمل الجماعي لشركاء الولايات المتحدة المفترضين ( مستحيل ) وسط تلك السياقات المتعددة للصراعات المختلفة.
وعلي سبيل المثال فإن أهداف مصر إسرائيل كانت تتوحد حول ( خنق حماس ) في الصيف الماضي، اليوم فقط تطورت الأمور بسرعة فأصبحت مصر تريد ( تدمير حماس ) بينما تريد إسرائيل ( إضعاف حماس ) بإعتبارها ( خليفة محتمل للسلطة الفلسطينية ).
الخلاصة أن الاستراتيجية الأمريكية المنطقية الوحيدة في اللحظة الحالية هي ( استراتيجية التحوط ).
أولا : الانخراط الحذر وبشكل انتقائي والتركيز علي القضايا الرئيسية التي تهم أمن الولايات المتحدة، والعمل الفعال مع الجهات الفاعلة في المنطقة بشأن مسائل محددة ذات الأهمية المشتركة.
ثانيا : تجنب الجهود التي تبذلها القوي الإقليمية لدفع الولايات المتحدة والزج بها في صراعاتهم الخاصة.
على المدى الطويل تحتاج الولايات المتحدة، لمعالجة الأسباب الجذرية للاضطرابات الإقليمية الخاصة بأنظمة الحلكم ومؤسساته ليس في الدول السنية فقط.
المصدر : تمارا كوفمان ويتس – مديرة مركز سياسات لشرق الاوسط بمعهد بروكنجز – والمقال بعنوان : حلفاء أميركا في الشرق الأوسط : المشكلة والحل؟ 2 مارس 2015 ICH