لكل خطاب مفاهيمه وشبكاته الثقافية، المتعددة والمتنوعة، والمتضاربة والمتصالحة.
والخطاب الاجتماعي بما هو حديث عن العدالة الاجتماعية، ولغة المجتمع وهويته، والتنمية الاجتماعية وتطوراتها له تقاطعاته أيضاً.
وهو تفاعل مع البيئة السياسية والدينية والاقتصادية والقانونية.
وإذا كان نقصاً في المجتمع أن يحيد تفاعله عن بيئته المتعددة، فإن من النقص أيضاً أن يكون كل شيء، وأن يفقد توازنه وهويته، ويتحول إلى دور الضحية دائماً تبعاً لأي تغير سياسي أو اقتصادي، أو فكر ديني وثقافي.
إن الخطاب الاجتماعي التقليدي يكون هو الفاعل والمحرك في الحالة اللاعلمية وفي البيئة اللاقانونية.
أما وحين يكون المجتمع في حالة التعليم الجيد والتواصل المعرفي التقني العالمي، فليس من المقبول استمرارية الخطاب الاجتماعي بلا هوية تترجم الحالة العلمية فيه وتتجاوز المكونات التقليدية التي لا تنسجم وروح المعرفة وعالمية التواصل.
وهذا ما نقصده بفقدان التوازن في الخطاب الاجتماعي، والذي سيكون له الأثر على تنمية وحضارة المجتمع وقدرته على الانعكاس الجيد للإنسان الفاعل في حركة العالمية بين التقدم والتأخر.
إن فقدان التوازن في الخطاب الاجتماعي يكون في الغالب نتيجة لأسباب اختيارية وليست قهرية.
حين يختار المجتمع تدينه بطريقة تقليدية يحارب من خلالها الاجتهاد المعرفي الديني، ويعيش وهم السكون من خلال التكرار السلبي لنسق الثقافة الدينية لتتضخم لديه العلاقة بينه وبين الأشياء وبينه وبين الأشخاص.
فيصبح الخطاب الديني ليس اختياراً ومشاركة! بل يكون خطاباً تسلطياً تحكمياً بامتياز.
وعند ذلك يكون هذا الخطاب مصنفاً ومقسماً للخطاب الاجتماعي بين الغالي والجافي، وبين الموالي والمعادي، وإلى خطاب اجتماعي بعيد عن معنى الحياة وأسرارها، والذي سيتحول فيما بعد إلى خطاب كاره للحياة ممزق لها، قاتل للإنسان ومدمر لحضارته.
إنها خطورة كبيرة أن يتم تحويل الخطاب الاجتماعي إلى خطاب فقهي، يتحدث بلغة الحلال والحرام، على لسان الشيخ! ويتحدث عن الولاء والبراء على حساب الطائفة والحزب! هذه خطورة بالغة، فالخطاب الاجتماعي ليس خطاباً فقهياً.
وإنما يحتاج الإنسان بعض الفقه في بعض أحواله ونوازله، وليس بشكل سائد ودائم يتدخل في تفاصيل الحياة وإيقاعها اللحظي.
وليس في ذلك ما يمكن فهمه من فصل الدين عن الحياة! فالمتدين هو إنسان مدني مجتمعي بامتياز حتى ولو لم يكن متفقهاً في تفاصيل حياته.
فما يريد البعض تسويقه من خلال فرض الاجتهاد الفقهي تحت تجريم من لا يقبله بأنه يمارس الفصل بين الدين والحياة لم يعد مقبولاً في وعي اجتماعي يفهم أن الدين هو الإيمان والتسامح والحب والعطاء التي يمارس الإنسان فيها اتصاله مع الله يترجم فيها معنى صلاته وتسبيحه.
وليس هو أحكاماً يمارسها نتيجة لاجتهاد مذهبي، لا يخرج من تلك الممارسة بزكاء النفس وسلامة القلب وتحقيق مع الحب لله وللإنسان وللمكان.
إن هذه الخطورة في التحول أفقدت الخطاب الاجتماعي توازنه بين محبته للتدين السليم وبين مخرجات التدين الفاقد لجوهره، الذي يتعامل مع مظهرية الأشياء القابلة لأحكامه وتكييفاته.
لقد أصبح الخطاب الاجتماعي نتيجة لهذا التذبذب حديثا عن المرأة وأزيائها، وارتباطا بين الفضيلة والأزياء.
وتحول إلى حديث توهمات ومؤامرات يخلق من خلالها حروباً تمزقه وتهدد وجوده.
وقد أسهم الخطاب الثقافي والإعلامي كثيراً في نشر مسببات عدم التوازن في الخطاب الاجتماعي.
حين تشكلت قنوات إعلامية تنعت نفسها بالدينية! في رسالة تعني أن غيرها ليس دينياً! أو هو ضد الدين!! في حين أن ما ينعت بأنه لا ديني هو في كثير من أحيانه ليس فقهياً موافقاً لرأي أو اجتهاد أو مذهب.
ونحن يجب أن ندرك أن استمرارية فقدان التوازن في الخطاب الاجتماعي وتحوله على خطاب أيديولوجي بأي اتجاه، سوف يهدد سلمية المجتمع ويجعله جاهزاً للاختراقات الطائفية والحزبية.
وبذلك يفقد عطاءه التنموي وديمومته نحو الحياة والتقدم والتفاعل الكوني.
فهل من مشروع يؤكد الخطاب الاجتماعي ويحمي سلامه؟ فعسى أن يكون قريباً على أيدي الحكماء الفاعلين بإذن الله رب العالمين.