امتلأت صحفنا المحلية مؤخرا بعناوين عريضة تنذر بقرب إطلاق حملة أمنية واسعة ضد مخالفي أنظمة العمل والإقامة.
ونقلت هذه الصحف عن مدير عام الجوازات اللواء سليمان اليحيى قوله إن هذه الحملة الأمنية المكثفة ستنطلق اعتبارا من بعد غد الأحد.
وقالت عناوين أخرى في صحف أول أمس الأربعاء إن الجوازات قد أصدرت عشرة آلاف قرار ترحيل في الربع الأول من العام الهجري الحالي تم بموجبها ترحيل الآلاف من الوافدين. ودعت الجوازات المواطنين للتعاون معها لكشف المخالفين.
وكل هذه العناوين والتقارير تعطي الانطباع بأن هؤلاء الوافدين مجرمون ويجب التخلص منهم بأسرع ما يمكن وكيفما كان الحال.
وفي مساع واضحة «لتكسير الثلج» أو التودد للمسؤولين، ذهبت بعض الصحف بعيدا في هجومها على المخالفين وكأن توجيه السهام لهم سيعيد الأمن والطمأنينة لكل أرجاء البلاد.
وحيث إن الفيلسوف الأوروبي الكبير آنالز نيل قد قال إن «دور الكاتب ليس هو أن يقول ما يمكن أن يقوله الناس لكن أن يكتب عن المسكوت عنه»، فإنني أود أن أدلي بدلوي في هذا الموضوع لأؤكد بداية أن كثيرا من هؤلاء الوافدين هم ضحايا جشع بعض المواطنين الذين استقدموهم بتأشيرات عمل دون أن تكون لهم وظائف، وأطلقوهم في السوق يبحثون عن العمل.
وفي بحثهم عما يسد رمقهم ويكفيهم مؤونة السؤال، بدأ هؤلاء العمال المساكين يتنقلون من كفيل لآخر، وبعضهم عاش بدون أن تجدد إقامته، والبعض الآخر عليه أن يدفع أتاوات كبيرة مقابل أي خدمة في الجوازات أو مكاتب العمل لكفلاء قد يكونون في مناطق بعيدة عنهم.
وأذكر في هذا الصدد أن شخصا كان يكفل (80) عاملا ويأخذ من كل واحد منهم مبلغ (400) ريال في الشهر، وعندما توفي بقي عماله بلا كفيل، فقبضت عليهم الجوازات ورحلتهم وبعضهم لم يجد الفرصة لجمع أغراضه الشخصية، وبعضهم الآخر أخذ مباشرة إلى مركز الترحيل.
وأذكر أيضا أن سيدة سعودية أرادت أن توظف سائقا فطلب كفيله منها مبلغ (11,000) ريال مقابل نقل كفالته عليها، ويمكن أن تتصور مكاسب هذا الرجل إذا علمت أنه يكفل (27) عاملا.
ولهذا فليس من المستغرب أن تتهم بلادنا العزيزة بالاتجار بالبشر وبممارسة العبودية فهؤلاء الكفلاء معدومو الضمير رسموا صورة سيئة لبلاد الحرمين الشريفين، كما أنهم لم يحترموا جهود خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز – يحفظه الله - الذي يريد العدالة الكاملة لكل الناس على هذا التراب الطاهر.
ولقد تعاملت مع كثير من القضايا الإنسانية المؤلمة المتعلقة بالوافدين خلال (25) عاما قضيتها رئيسا لتحرير صحيفتين إنجليزيتين، وفي إحدى هذه الحالات قال لي أحد الوافدين إن زوجته في المستشفى تصارع مرض السرطان اللعين، بينما قام كفيله بالإبلاغ عنه بتهمة «الهروب».
وقد قام بعض السعوديين من ذوي القلوب الرحيمة بجمع مبلغ (30) ألف ريال وسلموها للكفيل لكي يلغي بلاغ الهروب، ويجدد له إقامته ليبقى بجانب زوجته المريضة.
ونحن مع القانون والنظام والأمن كما أننا نحب بلادنا العزيزة، لهذا فإننا لا نخاف من قول الحقيقة إذا كانت لنا أم علينا.
لقد تم ترحيل آلاف الوافدين العام الماضي وتم في نفس الوقت استقدام الآلاف وكأن هذه حكاية لا تنتهي.
وأود أن أقترح على السلطات المعنية عمل قائمة بالوافدين الذين لا يرغب كفلاؤهم في الإبقاء عليهم، أو لا يستطيعون دفع مرتباتهم ثم نجري لهم الفحوص الطبية الضرورية ونعمل لهم البصمة اللازمة، ثم ندعهم يعملون مع كفلاء آخرين تحت بصر الحكومة وإشرافها.
ومن واجبنا الإنساني ألا نترك هؤلاء العمال البسطاء الذين جاؤوا يبحثون عن الرزق الحلال في بلادنا فرائس سهلة لمصاصي الدماء يفعلون بهم ما يشاؤون.
وإنني من هذا المنبر أناشد وزير الداخلية الأمير محمد بن نايف المعروف بدماثة خلقه أن يبحث هذا الموضوع، وأن يوجه الجهات المعنية بأن تخاف الله في هؤلاء الضحايا الأبرياء.
وأيضا أناشد زملائي الإعلاميين والصحفيين بألا يصبوا الغاز على النار وأن يفضحوا تجار التأشيرات الذين أغرقوا البلاد بالعمال دون أن يكون لديهم وظائف لهم.