يظل الاختلاف في شرعية الاحتفاء بالمولد النبوي قائما منذ عقود عدة، ففي ربيع الأول من كل عام تتكرر الفتاوى في حكم إقامته، فيخرج الفريقان المتضادان آراءهما بتصريحات تدل على صحة اعتقاد كل منهما، مستدلين بعدة أدلة منقولة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، على الرغم من أنهما في النهاية يلتقيان عند نقطة واحدة، وهي وجوب اتباع الشريعة التي جاء بها الرسول من عند الله.

من المؤكد أن الذين يحتفلون بالمولد النبوي يحبون الرسول صلى الله عليه وسلم، ويريدون ترجمة هذه المحبة بمثل هذه الاحتفالات، ولكن نحن لدينا منطلقات ننطلق منها في الأحكام الشرعية، فأمور الإنسان تنقسم إلى قسمين: عادات وعبادات، والأولى الأصل فيها الإباحة، والثانية الأصل فيها التوقيف، أي إنها وقفية لا يمكن أن تفعل إلا بدليل من الكتاب أو السنة، فمثال الاحتفال باليوم الوطني هذا ليس من الدين بل هو من العادات والأمور الحياتية، ولا نفعله تقربا إلى الله.
وبالنسبة للمولد النبوي وهل هو بدعة أم لا، فالإمام الشاطبي رحمه الله، عرف البدعة بقوله: هي كل طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة يقصد بها التقرب إلى الله ليس لها مثال سابق، لأن النبي قال: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، والمولد النبوي لم يفعل في عهد النبي ولا عهد الخلفاء الأربعة ولا الصحابة ولا التابعين ولا في القرون الثلاثة التي قال عنها النبي (خيرُ الناسِ قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم).
والمولد أول من اخترعه هم العبيديون الذي ينتسبون للدولة العبيدية والذين يسمون أنفسهم بالدولة الفاطمية، وهي دولة كما يعرفها المؤرخون بأنها باطنية أسست في القرن السادس الهجري في مصر، وهم أول من ابتدعوا هذه البدعة، وعملوا ذلك مضاهاة للنصارى الذين يحتفلون بميلاد نبيهم عيسى عليه السلام، وهم لا يحتفلون.
وهم الآن يحتفلون محبة للنبي، ولا يمكن بأي حال أن نجد أحدا من الناس أحب النبي أكثر من الصحابة الذين لم يحتفلوا بمولده، ولا حتى زوجاته، إذن الذين يحتفلون بالميلاد فعلهم يتضمن اتهام النبي بتهمة بين تهمتين:أن الرسول يعلم فضل الاحتفال بمولده أو أنه لا يعلم، فإذا كان يعلم وكتم فقد خان الأمانة، وإذا كان لا يعلم وعلمته عقول مستقيمة، فدل هذا أنهم يرون أنهم أعلى من الرسول الذي حذر وقال كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وقوله: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد.

د. محمد السهلي - وكيل كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة أم القرى

 

من يعارض فكرة الاحتفاء بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، يعارض هذه المسألة وهو محب له، ومن يعتقد بلزوم الاحتفاء به، هو أيضا محب له، فإذا أحببنا أن نتصور الاحتفاء بالنبي بحسب المعتاد عليه في بلادنا أعتقد أنه لن يشك في هذا الأمر أحد لا سيما أن المجالس التي تعقد في الاحتفاء به ليست محصورة بيوم أو شهر، وهي سليمة وخالية من كل المنكرات المتفق عليها، وصحيح أنه لم يأمر به الشرع ولكنه اندرج تحت أصل شرعي وله مقاصده الحسنة، فإذا وصلنا إلى هذه القناعة نجد أن المسألة أبسط من أن يختلف فيها أحد، فهي مجرد مناسبة دينية ينبغي للإنسان ألا يدعها تمر مرور الكرام أو مرور اللئام، فهي تستدعي أن يتوقف عندها الإنسان ويذكر الآخرين بسيرة رسولنا الكريم، والأمة كلها تحتاج إلى البحث في قيمه وحياته، لأن لها تأثيرا كبيرا، وإذا وصلنا إلى هذا التبسيط نجد أن مجالسنا في بلاد الحرمين خالية من أي مظاهر محرمة، أما ما يحدث في البلاد الأخرى، فنحن لا نحكم عليها، ولا ينبغي أن نطبق ما يحدث في العالم في الخروج عن المألوف في الاحتفاء، ونجعل ذلك علامة على مجالسنا هنا.
وفي المناسبات الدينية والدنيوية ينبغي أن نهتم بها كمثال الاحتفاء باليوم الوطني والمناسبات التي تعزز من الانتماء للدين والوطن، لأنها أمور مطلوبة.
إذا اعتقدنا أنها مناسبة منصوص عليها وأن الدين أمر بها فهذا خطأ، وإذا قلنا إن ذلك لم يأمر به القرآن ولا يوجد في النصوص ولم يفعله الصحابة، فأنا أقول إنه لم يفعل من قبل الصحابة أشياء كثيرة موجودة في هذه الدنيا، فالنبي ترك أشياء كثيرة، فلا أستطيع القول إن كل ما لم يفعله الصحابة أنا أيضا لا أفعله، فهذا استدلال خاطئ.
الخلاف في هذه المسألة سيظل قائما ولن ينتهي بين مؤيد ومعارض، لذلك هذه مسائل لا يحتاج إلى التوقف عندها كثيرا أو أن تكون سبيلا للتفرقة. وما يقام في بعض الموالد من استخدام الطبول، فهذه أمور مخالفة للعرف الذي تعودنا عليه، وينبغي أن تكون مجالسنا خالية من هذه الأمور الدخيلة علينا.

د. عبدالله فدعق - داعية إسلامي

 

نحن في ربيع الأنور، لا بد من أن نفكر مليا فيما جنيناه سابقا، من يجوز أو لا يجوز الاحتفاء بولادة الرسول صلى الله عليه وسلم، مع أننا نحتفي بمناسبات عدة كبدر الكبرى وفتح مكة ودخول رمضان والحج، ولنفكر بجدية وواقعية حول مدى حاجتنا الآن أكثر من أي وقت مضى في معرفة الأهداف والمعاني السامية، والمعارف والأسرار الكبرى، والكنوز والخزائن العظمى، لهذه السيرة العطرة، دراسة وتحليلا واستقراء واعتبارا وإلهاما.
لنقرأها في بيوتنا، ومدارسنا، ومساجدنا، وإعلامنا، ولتمتلئ قلوبنا وأرواحنا بحب ذاته الشريفة، وعترته الطاهرة، وصحابته الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، وهي دعوة صادقة لنبرهن للجميع مدى تمسكنا بديننا وإسلامنا ونبينا.
لذا لا بد من استغلال المناسبات الدينية، والمحطات الإيمانية لتجديد العهد والوفاء لهذا النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه، فلا نكون قطاعين لطرق الخير للاجتماع بحجج واهية، فالأصول موجودة والكيفية اختلفت سواء كانت في صورة احتفال في ناد، أو اجتماع في مؤتمر، أو محاضرة في قاعة، أو درس في مسجد، أو خطبة على منبر، أو تعليم في مدرسة، أو تربية في منزل، أو تشجيع على تأليف، أو دعوة لمسابقة، كل هذه الصور والمعاني تربطنا بالرسول الأكرم، والتي لن يصل إليها أعداؤنا طالما تمسكنا بالجوهر واتبعنا المنهج وتخلقنا بصاحب الرسالة من ولادته وحتى مبعثه ودعوته وهجرته وانتقاله للرفيق الأعلى.

د. سمير برقة - باحث في معالم السيرة

 


لا شك أن اليوم الذي ولد فيه الرسول صلوات الله وسلامه عليه، يوم عظيم فقد أخبر أن والدته رأت حين حملت به، وفي رواية عند ولادته، نورا أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام، ومن المؤكد أن اليوم الذي ولد فيه هو يوم الاثنين، وقد اختلف في تاريخ يوم ولادته على أقوال عديدة، كما أن من الثابت أنه انتقل صلى الله عليه وسلم للرفيق الأعلى في 12 ربيع الأول، والعجيب أن المسلمين يقومون في هذا اليوم من كل عام بالاحتفال بمولده وهو اليوم المؤكد يقينا أنه انتقل فيه للرفيق الأعلى، فكأنهم يحتفلون بوفاته وليس بولادته.
كما أنهم يختلفون على حكم الاحتفال بالمولد النبوي فمنهم من يرى أنه بدعة ومن محدثات الأمور التي لم ترد في الشرع، ومنهم من يرى أنه بدعة حسنة، وكل فريق يورد أدلته على صحة اعتقاده رغم أن هناك نقطة التقاء بين الطرفين وهي الإجماع على تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وسلم ووجوب اتباع الشريعة وإحياء سنته التي جاء بها من عند الله عز وجل ومحبته المحبة الشرعية أكثر من والدينا وأنفسنا وأزواجنا وذرياتنا والناس أجمعين. فلماذا نعمل بالمختلف فيه دائما وننشغل به ونترك العمل بالمجمع والمتفق عليه حتى نصل إلى درجة التقاتل فتضيع جهودنا وأعمارنا فيما لا فائدة منه.
وعلى فرض خلو الاحتفالات بالمولد من المخالفات الشرعية والعقدية فإن إقامة الاحتفال في حد ذاته يفتقر إلى دليل شرعي يجيز إقامته، فلو تم الاقتصار على ما ورد في السنة النبوية وتم صيام يوم الاثنين طيلة أيام السنة وليس في شهر ربيع الأول فقط، لحققنا اتباع السنة النبوية وابتعدنا عن الخلاف ومحدثات الأمور.
وإن استدلال البعض بجواز الاحتفال بالمولد النبوي قياسا على إقامة بعض الاحتفالات لمناسبات أو أشخاص أقل أهمية من سيد الخلق ويوم مولده، والتسليم بالقياس مع الفارق، لا يجوز.

نواف آل غالب - رئيس مجلس إدارة جمعية تحفيظ القرآن بمكة المكرمة