إثارة قضية سحب شهادة الدكتور السريحي في هذا الوقت شيء يستحق النظر لا من حيث الجانب الشخصي فقط، ولكن من الجانب الحقوقي والعلمي والأخلاقي، والتصحيح للخطأ الذي ارتكب بحقه، وهذا شيء جيد وهو مما عرفته التقاليد في العصر الحاضر وأيدت العمل به التشريعات والقوانين، حيث تتم مراجعة أخطاء الماضي التي ترتكب بحق الناس حتى ولو كان ذلك في الماضي البعيد، ويعد هذا الإجراء أخلاقيا في الدرجة الأولى، وثانيا يعد تصحيحا لما قد يكون حدث من ضرر نال أناسا بصفة اعتبارية أو صفة شخصية ثم يتبين بعد فترة من الزمن أن ما تم من أعمال وقعت بحق أبرياء من مؤسسات قضائية أو إدارية أو حتى عسكرية هو ظلم يجب رفعه أو حق يجب استرجاعه.
متى سنحت الظروف لقول العدالة أو إعلانها.
والحقيقة أن سحب شهادة الدكتوراه من الدكتور سعيد هو من هذا كله فقد ظلم حقه بقوة لا تكافؤها قدرته وصدر حرمانه من جهده وعمله بقدرة قاهرة استغلت ظروفا مؤاتية ونجحت في ذلك الوقت.
واليوم بما طرأ من تغير للظروف والأحوال ووسائل الإعلام كان من الممكن العودة إلى الحق وبيان الخطأ الذي تم وتصحيحه ورد الاعتبار لصاحب الحق، وهذا لا يجرم الجهة التي ارتكبت الخطأ ولكن الاعتراف به يبرئ ساحتها.
وأنا أرجو أن يكون لدى جامعة أم القرى من الشجاعة العلمية ما يجعلها تعلن أنها أخطأت بحقه وترجع عما فعلت وتعلن أنها رجعت إلى الحقيقة ولا تتمادى في الخطأ.
أما شهادتي في الموضوع فقد أعلنتها منذ ذلك الحين وكنت وقتها أكتب في جريدة الرياض، فكتبت مقالا أبين للجامعة الخطأ الذي وقعت فيه وهو أن الجامعة تحتضن الأفكار والآراء وتنمي المواهب ولا تصادرها، ودعوتها في حينه أن تحترم القيم العلمية والأعراف الأكاديمية وما فعلته هو خطأ علمي وخرق للأعراف الأكاديمية.
وقد ساءني أكثر في ذلك الوقت أن كل الأقلام التي كانت تملأ أعمدة الصحف قد سكتت ولم تعترض، ومن كتاب الأعمدة في الصحف أكاديميون وأساتذة جامعات يعرفون التقاليد الأكاديمية، ويرون الخرق الذي وقع والتجاوز غير المبرر الذي حدث، ومنهم بالخصوص زملاؤه الذين يشاركونه توجهه الثقافي ويوافقونه في الرأي والرؤية وصمتهم هو ما جعلني أختار لمقالي عنوانا من أمثال العرب (انج سعد فقد هلك سعيد) حيث إن كلا من هؤلاء فيما أظن أراد السلامة، حيث هبت العاصفة هوجاء تقتلع الشجر من أصوله، فضحوا بصديقهم من أجل سلامتهم ولم يسندوه بقول ولا غيره.
نكتة لا بد منها أما التوجه والحشد العاطفي الشعبي الذي وراء حرمانه من الشهادة وهلل لذلك وكبر، فقد أوجد كعادته مبررا لموقفي ورأيي، حيث أشاعوا أنني ابن خالة سعيد حتى يضيفوا موقفي إلى الحمية وليس العلمية، وهي عادة يحسنها دعاة التطرف وينجحون بتمريرها، ولم أعلم بذلك إلا بعد عام حين ألقيت محاضرة في أحد الأندية وفي وقت التعليقات قام أحد الحاضرين، وأثنى على ما سمع ومدح وبالغ، وقال أنتما أبناء الخالة لا أستمع إلى أحدكما إلا ذكرني بالآخر، فسألته من تعني ومن ابن خالتي؟ فقال ألست ابن خالة سعيد السريحي الناس يقولون ذلك.
هذه شهادتي وليس كل ما يعلم يقال وإني لأعلم من قضية سعيد ما يندى له الجبين ولا سيما في محاولة انتقاله إلى جامعة الملك سعود.
د.
مرزوق بن تنباك - أكاديمي وباحث