أحسب أننا في حيرة ملكت علينا عقولنا حتى بتنا نفرح بالشاهد نسوقه على ما ندعيه، وبالمثل نثبت فيه أننا لا نقول شططا، فهذا تاريخنا، وهذا تراثنا، وكأننا ندفع عن أنفسنا تهمة نترقبها، ونتقي ما نتوقعه وما لا نتوقعه.
وحديثي اليوم من هذه الأحاديث التي يفرح المرء إذ يسوقها بين يديه، ليثبت أن الأصل في ثقافتنا هو التسامح، وأن شيوخ الدين والقضاة كانوا كغيرهم من الناس يعشقون الجمال ويتتبعون مواطنه، وأن منهم الشعراء، ومنهم الأدباء، وربما أردنا بسوقنا الأمثلة أن نثبت لشيوخ الدين والمفتين والقضاة أن الغالب عليهم اليوم مفارقة ما عليه الناس فيما يقطعون به حياتهم، وأن الصلة بينهم وبين الفنون والآداب مبتوتة، وأنهم يتكلفون الجد في غير مواضعه، فعسى أن يجدوا في سلف لهم القدوة والمثل.
وأنا أحب أن أسوق بين يدي هذا الفصل من الكلام مثالا لشاعر هو في الذروة من الشعراء، وإن جفاه النقاد، وجهله القراء، وقاض شرعي من جلة القضاة العلماء في بلادنا؛ عاش حياته قاضيا في المحكمة، وشاعرا في كل حين، ذلكم هو الشاعر والقاضي ضياء الدين رجب، نقرأ شعره فننسى أننا إزاء قاض، وإنما هو شاعر كخير ما يكون الشعراء، إتقانا وتجويدا، وقف قدرا كبيرا من شعره يتغزل بحبيبته، وكان في إحساسه بالفن مثالا عظيما، لإنسان أقبل على الحياة ولم يعتزلها، ولم تَحُلْ وظيفة القضاء دون أن يكون إنسانا يتتبع الجمال ويعشقه.
ولست أجد شاهدا هو أشد بيانا وأظهر معنى من قصيدته الرائعة «لمن تغنين؟»، وهي تلك القصيدة الطويلة التي هام بها بسيدة الغناء العربي أم كلثوم، فكتب فيها أجمل ما يكون الشعر، وأنشأ ذلك القاضي الفنان يخص المنديل المشهور لكوكب الشرق بأجود الشعر وأخلده، ولا أحسب أن منديل أم كلثوم صار ضربا من الفن العزيز العالي، كما صار بين يدي الشاعر القاضي ضياء الدين رجب، فقال هذين البيتين البديعين:يا من قسوتِ على المنديل فاشتعلتأطيابه من شذًى، ما ملَّ منكِ يداإني لأحسب في المنديل معجزةمن السماء، فلو أطلقتِهِ لشدا