بعد انقضاء عصر التأسيس (عصر نزول الرسالة) والأجيال القريبة منه، تبدأ الأجيال اللاحقة بالبحث عن الطهورية الخالصة التي تؤهلها للتشبه بالجيل الذي عاصر نزول الرسالة، وتبدأ مع هذه الحركة الطهورية مرحلة تطور الفهم الديني وذلك بالبحث عن الحكم الديني في كل نشاط إنساني، فتتوسع حركة تنزيل النصوص على الوقائع كلها حتى الوقائع التي شهدها الصحابة ولم يُنزِّلوا عليها النص الديني مما يُحوِّل الأمر إلى تقنين صارم يشمل كل نشاط إنساني.
ثم مع كل جيل لاحق تتطور الحركة الطهورية وتتوسع معها دائرة التقنين الديني، وينحو الخطاب الديني مع تطور الحركة الطهورية إلى التشدد والأخذ بالاحتياط والمفاصلة مع المختلف دينيا؛ والحكم على كل من لم يتمثل بهذا المنهج الطهوري بالفساد والابتعاد عن الدين الصحيح، وتصبح المهمة الرسالية للإنسان الطهوري إعادة الناس إلى الدين الصحيح كما يفهمه وقسرهم عليه بالقوة.
وهذا ما يفسر أعمال حركات العنف المعاصر، ولنأخذ على ذلك أنموذجًا وهو تحطيم التماثيل الأثرية في الموصل بحجة تحطيم الأصنام، وبالرجوع لعهد الصحابة وتعاملهم مع التماثيل التي لم تكن تعبد آنذاك في البلاد المفتوحة نجد أنهم تركوها ولم يحطموها؛ في بصرى الشام، وتدمر، وتصاوير إيوان كسرى في المدائن في العراق.
ولنكتفِ بالحديث عن مصر؛ فعدد الصحابة الذين دخلوا مصر 300 صحابي، وأول مدينة حاصروها (عين شمس)، قال ابن كثير: «وحاصر المسلمون (عين شمس) من مصر، وارتقى الزبير عليهم سور البلد...، واخترق الزبير البلد حتى خرج من الباب الذي عليه عمرو»، ومدينة عين شمس هذه كانت مشحونة بالأصنام كما ذكر ذلك عبد اللطيف البغدادي في القرن السادس حيث قال في رحلته : «ومن ذلك الآثار التي بعين شمس وهي مدينة صغيرة يُشاهد سورها محدقاً بها مهدوماً.
ويظهر من أمرها أنها قد كانت بيت عبادة، وفيها من الأصنام الهائلة العظيمة الشكل من نحت الحجارة يكون طول الصنم زهاء ثلاثين ذراعا،ً وأعضاؤه على تلك النسبة من العظم، وعلى معظم تلك الحجارة وتصاوير الإنسان وغيره من الحيوان كتابات كثيرة بالقلم المجهول»، وقال عن تماثيل مدينة (منف): «وأما الأصنام وكثرة عددها وعظم صورها فأمر يفوت الوصف، ويتجاوز التقدير، وأما إتقان أشكالها وإحكام هيئاتها والمحاكاة بها الأمور الطبيعية فموضع تعجب بالحقيقة؛ فمن ذلك صنم ذَرَعْنَاهُ سوى قاعدته فكان نيِّفًا وثلاثين ذراعا، وكان مداه من جهة اليمين إلى اليسار نحو عشرة أذرع، ومن جهة الخلف إلى الأمام على تلك النسبة».
المفارقة أن تلك التماثيل تركت دون تحطيم مدة عهد الصحابة، وأول من أمر بتحطيمها يزيد بن عبدالملك؛ إذ أرسل لواليه على مصر حنظلة الكلبي بتحطيمها وذلك سنة 102هـ، أي بعد فتح مصر بـ82 سنة؛ أي بقيت التماثيل إلى عهد انقضاء جيل الصحابة، ثم إن الصحابة الفاتحين سكنوا الفسطاط وفيها الإهرامات، وكانت الإهرامات مكسورة بطبقة من الجص الأبيض مزينا بالصور كما في الكتابة الهيروغليفية، وبقت تلك الطبقة حتى شاهدها عبداللطيف البغدادي في رحلته سنة 597هـ، ومثل ذلك تمثال (أبوالهول)؛ قال الجاحظ المولود سنة 155هـ: «وصنم الهرمين وهو (بلهوية)، ويقال (بلهنيت)، وتسميه العامة أبوالهول»، وقال ياقوت عنه: «وعلى ركن أحدهما - يعني الهرمين – صنم كبير يقال له (بلهيت)...، وهو صورة رأس آدمي ورقبته، ورأس كتفيه كالأسد، وهو عظيم جداً، وهو صورة مليحة كأن الصانع فرغ منه عن قرب، وهو مصبوغ بحمرة موجودة إلى الآن مع تطاول المدة وتقدم الأعوام».
وهذا كله يبين أن تماثيل مصر كانت معروفة ومشاهدة، ولم تكن مطمورة واستخرجت مع البعثات الأجنبية قبل مائتي عام كما يظن بعض الباحثين المتدينين، وقد ذكر عبداللطيف البغدادي الشافعي من علماء القرن السادس أن الملوك كانوا يمنعون من العبث بها؛ قال: «وما زالت الملوك تراعي بقاء هذه الآثار وتمنع من العبث بها...، لتبقى تاريخًا يتنبه بها على الأحقاب...، ولتدل على شيء من أحوال من سلف وسيرتهم وتوافر علومهم...
وأما في زماننا هذا فترك الناس سدى...، فهم يحسبون كل علم يلوح لهم هو علم على مطلب، وكل صنم عظيم أنه حاصل لمال تحت قدميه، فصاروا يعملون الحيلة على تخريبه ويبالغون في تخريبه ويفسدون صور الأصنام إفساد من يرجو عندها المال».
ختامًا؛ ليست هذا المقالة مساجلة دينية عن حكم التماثيل، بل هي قراءة لأنموذج من نماذج تطور الفهم الديني مع الحركات الطهورية بداية بتعميم التقنين الديني لكل نشاط إنساني ونهاية بإلغاء أي مشترك الإنساني مع الأمم الأخرى.
تحطيم التماثيل بين فعل الصحابة وعبث داعش
سليمان الضحيان4 دقائق للقراءة

حجم الخط
