تحول غير مسبوق في الجغرافيا السياسية: روسيا، والهند، والصين وجهت للتو رسالة قوية باتجاه الغرب: نحن مشغولون بإنشاء شبكة استراتيجية (ثلاثية) ومعقدة من الممرات الاقتصادية.
فقد بدأت الصين في تعبيد "طرق الحرير الجديد" عبر أوراسيا.
بكين تريد تصميم نسخة من طريق الحرير البحري، على غرار مآثر الأدميرال تشنج خه في عهد أسرة مينج، الذي أبحر سبع مرات ناحية الغرب، وكان قائدا لأساطيل ناهزت 200 سفينة.
رؤية طرحها المحلل السياسي بيبي اسكوبار في فبراير الماضي على موقع TomDispatch الإخباري، مبينا أن موسكو وبكين في الوقت نفسه تخططان في العمل وبسرعة عالية لإنجاز خطوط السكك الحديدية الجديدة (ريمكس) عبر سيبيريا، وهو ما يترجم الشراكة الاستراتيجية مع روسيا إلى مساعدات مالية واقتصادية مهولة، ولا سيما أن العقوبات الاقتصادية الغربية تحاصر موسكو التي تواجه حربا كارثية بسبب انخفاض أسعار النفط.
وتابع اسكوبار: وفي جنوب الصين، حيث أفغانستان، والحرب الأمريكية ضد الإرهاب، يجري التحرك بسرعة لإعادة تشكيل وتغيير قواعد اللعبة بالنسبة لتدفق الطاقة الأوراسية عبر مد خط أنابيب النفط بين الصين وميانمار.
وهذا ليس سوى جزء من تشكيل العمل المحموم لإنشاء أكبر حزام اقتصادي في القرن الحادي والعشرين.
وهو يتحدث عن رؤية غير مسبوقة في التاريخ المعاصر لخلق بنية تحتية مذهلة، واللافت للنظر هنا أن الكثير من تفاصيلها يبدأ من نقطة الصفر، حيث تربط الصين ودول آسيا الوسطى والشرق الأوسط، وأوروبا الغربية.
الحلم الصيني
ما نراه اليوم هو أكبر مشروع اقتصادي تنجزه الصين في القرن الحادي والعشرين، وهو يفوق بكل المقاييس الخطة الأمريكية الاقتصادية ما بعد الحرب العالمية الثانية فيما يعرف بمشروع "مارشال" لإعادة بناء أوروبا التي دمرتها الحربان العالميتان الأولى والثانية.
ما الذي يجب أن يقرأ في كل ما يجري الآن؟ سؤال يطرحه اسكوبار، ويجيب: ببساطة لم تعد الصين هي ورشة العالم الضخمة.
نحن أمام أقوى تخطيط اقتصادي لم يتوفر لأوروبا أو الولايات المتحدة، وهو تطبيق للشعار الذي رفعه الرئيس الصيني شي جين بينج عن (الحلم الصيني في القرن الجديد)، وهو ما يعيد للأذهان فكرة "الحلم الأمريكي" في قرون خلت.
لا تندهش حين تعرف أن إنجاز 40000 ميل من خطوط السكك الحديدية فائقة السرعة يعتبر ضروريا جدا لمستقبل هذا الحلم، (على الأقل 300 مليون صيني في العقود الثلاثة الماضية هاجروا من الريف إلى المناطق الحضارية بحثا عن تحقيق هذا الحلم)!
مدن مليونية
أضف إلى ذلك 350 مليون مهاجر، ووفقا لدراسة معهد ماكينزي العالمي من 1980 إلى 2010، ازداد عدد سكان المدن في الصين بنسبة 400 مليون نسمة، ووصل العدد إلى ما لا يقل عن 700 مليون من سكان المناطق الحضرية.
ويتوقع أن تصل هذه الأعداد بحلول 2030 إلى "مليار نسمة"، وهو ما يعني ضغطا هائلا على المدن والبنية التحتية والموارد والاقتصاد ككل، فضلا عن مستويات من تلوث الهواء المروع في بعض المدن الكبرى.
بالفعل، توجد 160 مدينة صينية يزيد عدد سكانها عن المليون.
(أوروبا ليس لديها سوى 35 مدينة فقط تقارب هذا العدد).
ما لا يقل عن 250 مدينة صينية ارتفع ناتجها المحلي ثلاثة أضعاف بالنسبة للفرد الواحد منذ 1990، في حين أن نصيب الفرد من الدخل المتاح وصل إلى 300٪.
مصنع العالم
الصين هي أكبر قاعدة تصنيع في العالم، تضاعفت أكثر من 18 مرة في العقود الثلاثة الماضية، لا تزال تنتج 80٪ من مكيفات الهواء في العالم، و 90٪ من أجهزة الكمبيوتر الشخصية، و 75٪ من ألواح الطاقة الشمسية، و 70٪ من الهواتف المحمولة، و63٪ من الأحذية.
ويبلغ التصنيع 44٪ من الناتج المحلي الإجمالي الصيني، ويتم التوظيف لأكثر من 130 مليون نسمة، وبالإضافة إلى ذلك فإن نسبة البحث والتطوير الشامل بلغت 12.
8٪ بما يفوق إنجلترا ومعظم دول أوروبا الغربية.
التحول الجديد في الصين الآن هو الاتجاه إلى السوق المحلية التي تشهد نموا سريعا، حيث الاستثمار في البنية التحتية، وهو استكمال للبعد الناقص في المعجزة الصينية.
تحولات الجغرافيا السياسية في الألفية الثالثة.. قرن التنين والحلم الصيني
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
