حددت شركات التأمين تسعيرة بطاقة التأمين الطبي للمتقاعدين بأسعار تتراوح بين 40 إلى 60 ألف ريال، شريطة أن يخضع لفحوصات طبية تثبت عدم خضوعه لعمليات جراحية وعدم إصابته بأمراض مزمنة، وألا يتجاوز عمره 70 عاما.
هذه فقط الثلاثة الأسطر الأولى من الخبر المنشور هُنا في هذه الصحيفة، وللرقم ثلاثة ارتباط في ذاكرتنا الشعبية بدءاً من المثل الشعبي (القدر ما يركب إلا على ثلاثة) أي الأثافي، وليس انتهاء بالمعجزات الشهيرة (الخل والعنقاء والخل الوفي)، قبل أن تضيف له شركات التأمين رابعاً، فتصبح المعجزات الخل والعنقاء والخل الوفي و(متقاعد وكالة!)، فهي تشترط متقاعداً لم يخضع لعمليات جراحية، وغير مصاب بمرض مُزمن، أي إنه شبيه بضمان وكالات السيارات، لكن المتقاعد من سوء حظه أنه ليس (وكالة)، والشروط العجيبة الغريبة ليس حكراً على الشركات، فقد أعلنت إحدى الجامعات قبل أيام عن وظيفة شاغرة، وتداول الإعلان مجانين تويتر بسخرية أقرب للشماتة، وهو للأمانة يستحق، أحد الشروط (هيّا يا دكتور عزام) المطلوبة لشغل الوظيفة (الحصول على شهادة البكالوريوس في: التسويق، إدارة الأعمال، المحاسبة) – إلى هنا والشرط لم يتعد على المعجزات الثلاث - لكن البقية تقول: (مع خبرة لا تقل عن خمس سنوات، وألا يكون مضى على المؤهل أكثر من ثلاث سنوات!)، الأفضل أن نعود للخبر الأصلي لأن التركيز في هذه الشروط سيتسبب في حرماننا من بطاقة التأمين بعد التقاعد، الخبر الأصلي يشترط - إضافة إلى أن المتقاعد (وكالة) – ألا يتجاوز عمره 70 عاماً، وهُنا قد نحسن الظن ونقول إن هذه الشركات تشجّع على التقاعد المبكر تضامناً مع حملاتنا ضد البطالة، لكن هذا الاعتقاد ينسفه المبلغ المطلوب للتأمين، من 40 إلى 60 ألف ريال، وما دمنا في دوّامة الأرقام فخذوا هذا الرقم (قال عضو مجلس الشورى الدكتور جبران القحطاني إن 86% من المتقاعدين تقل رواتبهم عن ألفي ريال)، أي إن المتقاعد – رحمه الله – يحتاج أن يجمع راتب سنتين ونصف بعد التقاعد تقريباً كي يحصل على بطاقة تأمين، شرط ألا يصرف من الألفين ريالاً واحدا طيلة هذه المدة!، بمعنى أن الخيار المُتاح هو أن يموت (من قاصرها)، وهذا مبرر منطقي للذين يفضّلون أن يموتوا على رأس العمل، وهو خيار أجمل بكثير من أن تموت بخطأ طبي على سرير مستشفياتنا التي اكتشفت بعد – ويا لسوء ما اكتشفت – أن في محافظتي الصغيرة ذات الثلاث مستشفيات أنها كلها مشغلة أقل بكثير من طاقتها، وكأن قص الشريط هو الهدف من افتتاحها، ولهذا تحسن صنعاً إن استبدلت – كما تقول الطرفة الساخرة – الآية الكريمة التي تزين مدخلها (وإذا مرضت فهو يشفين) ووضعت بدلاً منها (كل نفس ذائقة الموت)، وأخيراً نتمنى للجميع حياة بلا تقاعد وبلا عمليات جراحية، وعمراً لا يتجاوز السبعين!