قبل المطالبة بوساطة سعودية سمير صالحة لا يخفى على احد ان العلاقات التركية السعودية كانت تتقدم بشكل عام تحت رحمة اكثر من عامل قومي وديني وتاريخي وان هبة بسيطة كانت كافية لتتحول الى عاصفة تهدد مسار العلاقات التي حاولت اطراف داخلية وخارجية صب الزيت فوقها وتأجيجها للحؤول دون تحولها الى نواة تحالف اقليمي يحمي لعبة التوازنات ويساهم في اعادة ترتيب المكعبات المحيطة بهما والتي تؤثر مباشرة على انتشارهما ونفوذهما ومصالحهما في اكثر من مكان .
اعوام الثمانينات شهدت رغبة مشتركة لدى البلدين في فتح صفحة جديدة مع تورغوت اوزال الرئيس التركي السابق الذي تبنى سياسة انفتاحية على دول المنطقة وتحديدا بلدان الخليج العربي بعد ابتعاد تركي واضح عن العالمين العربي والإسلامي .
حروب الخليج واعادة التموضع الايراني كانت دافعا اخر لتعزيز العلاقات وتوطيدها على كافة المستويات .
لكن انفجار ثورات الربيع العربي وانتشارها وتشعبها بكل تعقيداتها وتشابكاتها اقلق الرياض ودفعها للحيطة والحذر في مسار علاقاتها بأنقرة المنفتحة الى ابعد الحدود على الاخوان المسلمين في المنطقة والملهم الاول لهذه الانتفاضات .
احداث مصر ومرحلة ما بعد اسقاط الرئيس حسني مبارك تحولت الى سبب اخر من اسباب التباعد وتضارب المصالح والحسابات احيانا .
لا بل ان عوامل كثيرة في مسار العلاقات اليوم هي وكما يرى العديد من الكتاب العرب والاتراك تحت تاثير الملف المصري بكافة تفرعاته الداخلية والاقليمية .
كثر هم من يعرفون ان تحسن العلاقات بين القاهرة وانقرة لا يمكن ان يتم دون دعم وتشجيع ووساطة سعودية حقيقية وان هذه النية غير معلنة حتى الساعة رغم كل ما يقال حول تحولات إيجابية مرتقبة في السياسة السعودية تجاه تركيا .
وصول الملك سلمان الى سدة الحكم يرى فيه قيادات العدالة والتنمية فرصة حقيقية للتحول في السياسات السعودية حيال تركيا .
الاعلام التركي يركز دائما على ان مشاركة الرئيس التركي رجب طيب اردوغان في جنازة الملك عبد الله هو بمثابة رسالة انفتاحية وبادرة تركية تشكل مقدمة لسياسة فتح الابواب مجددا بين انقرة والرياض .
لكن ما لا يمكن اخفاؤه هو ان رغبة التصعيد بين انقرة والقاهرة ستعرقل اكثر فاكثر مهمة الرياض ومن الصعب جدا ان نشهد هذا التحول الايجابي في مسار العلاقات التركية المصرية امام كل هذا التصلب والتشدد في مواقف الجانبين .
كلام العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز الاخير حول أن موقف المملكة تجاه مصر واستقرارها وأمنها ثابت لا يتغير، وأن السعودية تقف إلى جانب الحكومة المصرية وشعبها.
وأن "ما يربط البلدين نموذج يحتذى به في العلاقات الاستراتيجية والمصير المشترك، وأن علاقة المملكة ومصر أكبر من أي محاولة لتعكير العلاقات المميزة والراسخة بينهما" رسالة تسلمها الاتراك ويعرفون تماما فحواها والمقصود منها قبل غيرهم ايضا .
انقرة والرياض يعرفان ايضا ان التمدد الايراني - الاسرائيلي الاقليمي سيكون على حسابهما في اكثر من مكان وان عمليات اعادة الاصطفاف في المنطقة تعنيهما بالدرجة الاولى وربما هي فرصة قد تساعد الرياض على الإسراع في تحريك ملف المصالحة التركية المصرية .
الرئيس التركي الأسبق عبد الله غل يردد أن العلاقات التركية - السعودية يجب أن تكون منيعة وراسخة وثابتة، وانه اذا كانت هناك مقاربات مختلفة بين البلدين في الفترة الأخيرة، فينبغي العمل على ازالتها في زمن وجيز" .
لكن مطلب حماية العلاقات التركية السعودية وإعادتها الى سابق عهدها يحتاج الى حل الخلافات التركية المصرية وكل حديث عن رغبة البلدين في تحويل علاقاتهما الى تحالف استراتيجي اقليمي لن تكون واقعية مع الأسف امام استمرار هذه المشكلة التي ما زالت تطرح التباعد على التقارب بالمقياس العربي للامور .
ضرب العلاقات التركية السعودية ليس مطلبا اسرائيليا فقظ بل هو مطلب ايران وكذلك مطلب النظام في دمشق وربما قد يكون مطلب واشنطن التي سيقلقها ان يتحول هذا التقارب الى حلف امني سياسي اقتصادي يرفع العالم الاسلامي من مرتبة الى اخرى وربما هذه القراءة تفرض على الجانبين التركي والمصري مساعدة المملكة على التدخل والتحرك الإيجابي لإنجاز مهمة الحلحلة اذا ما كانت تركيا ومصر يريدان ذلك حقاً .
العاهل السعودي، الملك سلمان هو من افضل المتابعين لمسار العلاقات التركية السعودية اليوم وهو سيقرر ما ينبغي فعله بالطريقة المناسبة وعندما يحين الوقت لكن المهم الان هو التهدئة التركية - المصرية والحؤول دون منح بعض اللاعبين الإقليميين والدوليين الفرصة التي يبحث عنها باتجاه ملىء الفراغ الاستراتيجي الذي يحلم به بسبب هذا التوتر بين انقرة والقاهرة .