نحن البشر محظوظون جدا أننا تنعمنا بنعمة الوجود المادي والذكي على هذا الكوكب الأزرق، لا يشاركنا أحد، على الأقل ضمن نطاقنا النجمي، فلولا هذه النعمة لا أنا ولا أنتم موجودون هنا.
لقد تعلمت الكثير في هذه الحياة، وخاصة فيما يتعلق بجمالها وروعة الحب.
فعلى الرغم من أن الأرض غبرة كونية معلقة في شعاع الشمس، إلا أن هذه الغبرة حوت أناسا تعلمنا منهم سحر الحب، فعلينا أن نقر بالجميل لهذه اللحظات السعيدة التي عرفتنا بأناس لا تكتمل الحياة إلا بهم.
إننا نحن البشر لدينا جميعا حالة من الميل للاستسلام واليأس نظرا لتكويننا البشري، إلا أن هذه الطاقة السالبة التي زرعت في تكويننا نتغلب عليها عندما تهبنا الحياة أبا حنونا ينقش لنا بكلماته (عنوان الحب).
لسنوات عديدةٍ وفي كل ليلة خميس كنت أجلس مع الوالد الأديب في منزله وبرفقة أخي الأديب الأستاذ مظاهر الخميس.
لقد كان كريما في جلوسه معنا، كان هناك الكثير مما يحدثنا به، وكانت عقارب الساعة تلف في دورانها دون أن نشعر بذلك، وهذه هي أجمل لحظات السعادة التي يعيشها الإنسان، ألا وهي سعادة نسيان الزمن.
لقد عرفته عن كثب، كان رجلا يحترم الآخرين ويتفانى في مساعدتهم، ولا توجد في قلبه ذرة حقد واحدة.
كان يتألم من الفوضى التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، ويميل إلى التعايش مع الآخرين دون تفرقة.
في الحقيقة، إن التفكير في تلك الليالي حتى هذه اللحظة يقدم لي دليلا قويا على أن هذه الليالي ستظل عالقة في ذاكرتي، وكنت أتمنى أن يتقدم به العمر لنتزود بجماله في كل لحظة، إلا أن الموت كتب على جنسنا البشري، ونظرا لأن حياتنا قصيرة جدا لا تشكل في تقويمنا الكوني إلا أقل من ربع ربع ثانية، وهذا هو دافع قوي يجعلنا نكتب لنا حياة بعد الموت، وما أجمل حياة الكلمات فهي الحياة الخالدة، فالخلود الحقيقي هو خلود الكلمات، وهذه كلماتك أيها الأديب، بيننا سطرتها بيديك، عنوان الحب وسيدتي الكلمة، فأنت لم تمت أيها الوالد الأديب، وهذه كلماتك بيننا تدور مع دوران الأرض حول الشمس.
أسأل الله تقدس اسمه أن يتغمد فقيدنا الأديب بواسع رحمته، ويسكنه فسيح جنانه، وأن يلهم أهله وأحباءه جميل الصبر والسلوان.