ارسم ما تحلم به، ولن يبقى على تحقيقه غير ضغطة واحدة بمؤشر الماوس على كلمة «اطبع» لتجده حقيقة يمكنك لمسها بيديك..ربما تكون هذه الكلمات الآن أشبه بالخيال أو مصباح علاء الدين لكثير منا، لكنها لا تشكل أي غرابة للمتابعين للتطورات التقنية الرهيبة في عالم الطباعة، لتأتي الطابعة ثلاثية الأبعاد (3D printer) لا لتحدث ثورة في هذا المجال فحسب، ولكن في كل أوجه الحياة الصناعية والطبية بكافة أنواعها وتفريعاتها.
في الماضي كان يمكنك أن ترسم صورة لمنزل وتطبعها على ورقة لتبقى مجرد صورة، لكن اليوم ومع الطابعات ثلاثية الأبعاد يمكنك طباعة البيت مجسما لتسكن فيه في الواقع وليس في الحلم، وذلك على وجه التحديد وليس على سبيل المبالغة، فهذا ما قامت به إحدى الشركات الصينية مؤخرا.
«مكة» غاصت في العديد من أخبار وكالات الأنباء التي تتابع عن شغف تلك التقنية الحديثة، والمواقع المتخصصة في التكنولوجيا لتكشف أسرار تلك الثورة التي ستغير وجه الحياة بالكامل خلال عدة سنوات قليلة.

بداية الحلم

ابتكر إمانويل ساكس Emanuel Sacks تقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد عام 1993 وأتاح فكرته للجميع لتطويرها ليسهم العالم أجمع في ذلك البحث المفتوح ويعكف المختصون من كل لون من البشر على تطويره باعتباره حلما للبشرية جمعاء، وما زال التطوير بها مستمرا لم يتوقف بعد.
تقوم فكرة الطابعة الثلاثية الأبعاد وهي أحد أشكال تكنولوجيا التصنيع على أن أي مادة يمكن تشكيلها إذا كان من الممكن تحويلها إلى مسحوق أو برادة، ليتم من خلالها تشكيل ما تريد ثم تعود إلى صورتها الصلبة المتماسكة من جديد.

من الطباعة للصناعة

ومع المقدرة على إنتاج أجسام كاملة مهما بلغت دقتها أوتعقيدها فقد خرج الأمر عن كونه مجرد طباعة أو نسخ، ليتحول إلى صناعة حقيقية تعلن انتهاء عصر المصانع والصناعات التقليدية التي نعرفها اليوم، فكل شيء ترسمه يمكنك طباعته حتى ولو اضطررت لتقسيمه إلى عدة أجزاء يتم تجميعها في مرحلة لاحقة.
وتتيح تلك الطريقة القدرة على طباعة أجزاء متداخلة معقدة التركيب، كما تمكن من صناعة أجزاء من مواد مختلفة وبمواصفات ميكانيكية وفيزيائية متباينة.
وتطرح التقنية الجديدة عددا لا نهائيا من الإمكانات والخيارات الصناعية، مع درجة لا متناهية من الدقة الصناعية التي تفوق أي تقنية أخرى يعرفها الإنسان اليوم، وتستخدم هذه التقنية حاليا في العديد من المجالات، منها المجوهرات، الأحذية، والتصميم الصناعي، والعمارة، والهندسة والإنشاءات، والسيارات، والطائرات، وطب الأسنان والصناعات الطبية، والأطراف الصناعية والأجهزة التعويضية.
وهذه الطريقة لم يسبق لها مثيل في المرونة، حيث يمكن إنتاج أي جزء أو شكل هندسي وبعدة خامات مثل الخزف، والمعادن، والبوليمرات، والعديد من المركبات الأخرى.
ولقد ابتكر إمانويل ساكس Emanuel Sacks تقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد عام 1993 وما زال التطوير بها مستمرا حتى يومنا.

إكسسوارات

من السهل لتقنية بهذه الدقة والسهولة أن تعلن التحدي، وتقول إنها تفعل كل شيء، فمن خلال الطابعات الثلاثية الأبعاد يمكن عمل تصميمات للمجوهرات والتحف والديكورات المتناهية الدقة والجمال، كما استخدمت في صناعة الشوكولاتة والآلات الموسيقية، واللعب، وصناعة المفاتيح بدقة متناهية بمجرد تصوير القفل دون الحاجة إلى نسخة من المفتاح، وكل ما يصل إليه خيالك أصبح الآن يمكنك رؤيته بين يديك فقط اضغط «اطبع» أو «prent».

سأرسم سلاحا وأضربك به

كان هذا هو لسان حال ويلسون الطالب بجامعة تكساس عندما أتم بنجاح  عملية إطلاق رصاص من مسدس بلاستيكي طبعه بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، ويتألف المسدس  من 16 جزءاً وقطعة، وأطلق على المسدس اسم  «ليبريتور » أو «المحرر » وتمت طباعته باستخدام مادة بلاستيكية مقاومة للحرارة تستخدم في صناعة الأدوات الموسيقية   وأدوات المطبخ وغيرها.
ووفقاً لسكاي نيوز فإن المسدس المطبوع أصبح سلاحا بموجب القانون الأمريكي.
وصمم المسدس المطبوع بحيث يتمكن من إطلاق الرصاص الحقيقي، كما  يمكن تبديل مستودع الرصاص فيه.
وقال ويلسون لمجلة فوربس إن الهدف من طباعة المسدس هو إلقاء الضوء على كيفية نجاح التكنولوجيا في الإطاحة بالقوانين والأنظمة والتشريعات.
وقال إنه يعتزم نشر مخططات المسدس على الانترنت مما أثار جدلا حول  إمكانية أن يحمل أي شخص تلك المخططات ويطبع مسدساً ثلاثي الأبعاد بسرية سواء أكان ذلك بشكل قانوني أو غير قانوني، ومن دون رقم متسلسل، ومن دون أي تفاصيل أخرى تتيح ملاحقته وملاحقة مالكه.

احتفظ بنسخة من نفسك

كان عثور أحد الباحثين في الولايات المتحدة على بطة بدون رجل وتصويره لقدمها السليمة ثم طباعة صورتها مجسمة إشارة البدء لإطلاق تصنيع الأجهزة التعويضية للإنسان، يقول خبراء إنه يمكن إجراء عمليات مسح ضوئي للجنود المقاتلين قبل إرسالهم إلى جبهات القتال، وبالتالي الاحتفاظ بما يشبه «التوأم الافتراضي» لكل منهم على الانترنت، بحيث يمكن طباعة العظام، أو أي جزء يفقدونه من أجزائهم بواسطة طابعة ثلاثية الأبعاد، في حالات الإصابة في المعارك.
ويناقش الخبراء في جامعة نيفادا هذه الخطوة مع الجيش الأمريكي، ويسعون من خلال ذلك إلى توفير سجلات «افتراضية» للجنود، يمكن نقلها لاحقاً للأطباء الجراحين في الجيش وميادين المعارك لاستبدال العظام المصابة بأخرى تطبع ميدانيا.
ويعتقد العلماء أن هذه التقنية مفيدة على وجه الخصوص لتصنيع عظام متطورة للأطراف عند الجنود المصابين، لأن الأبعاد الدقيقة لأطرافهم المصابة ستكون متوافرة بتفاصيل ثلاثية الأبعاد.
وبالنسبة إلى الجندي الذي يفقد أي طرف من أطرافه، فهذا يعني توافر نسخة افتراضية بديلة لجسمه يمكن طباعتها له مباشرة.
- أشار موقع سكاي نيوز إلى نجاح الباحثين في طباعة فقرة معدنية لتحل بدل فقرة عظمية في العمود الفقري.
- استخدمت طابعة ثلاثية الأبعاد في بريطانيا في صناعة جزء من عظام وجنة رجل تحطمت في حادث وكان يستحيل تعويضها، باستخدام مادة غبار التيتانيوم.
- نجح جراحو أعصاب من هولندا في استبدال جمجمة شابة في العقد الثاني من عمرها، تعاني من اضطراب مزمن في تكوين العظام، بجمجمة أخرى بلاستيكية تم إنتاجها بتقنية الطباعة المجسمة أو ثلاثية الأبعاد.
- نجح مجموعة من المصممين الشباب في الأرجنتين في طباعة يد بديلة لصبي كان يعيش بيد واحدة بتكلفة مادية بسيطة، منحته القدرة على التحكم في الأشياء.
- ولا تتوقف الاستخدامات الطبية لتقنية الطباعة المجسمة عند هذا الحد بل يسعى العلماء في الولايات المتحدة حاليا للتوصل إلى أنسجة وأغشية صناعية يمكنها أن تتواءم مع الأنسجة الحية لجسم الإنسان ليتم إنتاج أجزاء هامة داخلية في جسم الإنسان تعمل عمل الطبيعية، ولتكون مصدرا لقطع الغيار البشرية لتحل الطباعة محل التبرع بالأعضاء البشرية.

تقنيات العمل

يتم تقسيم المنتج إلى عدة شرائح تسمى النموذج الأول في شكل طبقات، حيث يرسم الجزء المطلوب بمساعدة برنامج أوتوكاد ثم يقسم التصميم إلى عدة رسوم، ويقوم جهاز الطباعة بعد ذلك بتنفيذها مجسمة من المادة المختارة (حديد بلاستيك ألياف) بالتفاصيل الدقيقة لكل طبقة.
ويتم بناء كل طبقة بنثر أو نفث مسحوق الخامة (powder) فوق سطح طبقة أخرى من المسحوق تم إعدادها كأساس.
ويتم تكوين أو بناء الطبقات بتقنية مشابهة لتلك المستخدمة في حالة الطباعة بالحبر التقليدية، وتستخدم مع تلك الطبقات المادية مواد رابطة للخامات لتربط الحبيبات فيتم تشكيل النموذج.
ويقوم مكبس بضغط طبقة المسحوق الأساسية لتثبيتها، ومن ثم يرتفع ليقوم بضغط الطبقة التالية التي سيتم نفثها ثم ربط حبيباتها باستخدام المواد الرابطة، ويتم تكرار بناء طبقة فوق طبقة حتى يكتمل تشكيل الشكل المطلوب.
بعدها يتم التعامل مع الجسم الذي تم تشكيله من خلال فرن تصل درجة حرارته إلى 1000 درجة مئوية لإعطاء الجسم الصلابة المطلوبة حسب الاستخدام أو الغرض منه.

صناعة المحركات لم تعد معقدة

كان آخر الأخبار التي تناقلتها وكالات الأنباء قبل أيام نجاح مجموعة من الباحثين من جامعة موناش بمدينة ملبورن الأسترالية في إنتاج محرك نفاث توربيني باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد، وتم عرض المحرك في معرض أستراليا الدولي للطيران بمطار مدينة أفالون.
ووصف المتخصصون في هندسة المحركات المحرك الجديد بأنه محرك نفاث مكتمل ويمكن أن يعمل بكامل طاقته.
وقد طور الباحثون مسحوقا معدنيا خفيفا جديدا أولا لاستخدامه في العملية وهو ما أتاح لهم إنتاج المحرك بنفس مواصفات المحركات التي يتم إنتاجها بصورة تقليدية.
وبالطباعة المجسمة يمكن لشركات إنتاج المحركات إنجاز الأعمال التي تحتاج إلى أسابيع في العادة خلال ساعات معدودة.

ارسم بيت أحلامك

طيرت وكالات الأنباء مطلع العام الحالي نبأ نجاح شركة صينية في إنشاء مبنى سكني مكون من 5 طوابق، وفيلا على مساحة ألف متر مربع، باستخدام تقنية الطباعة المجسمة.
وعرضت الشركة نماذج أولية من المبنى والفيلا، وقالت إن هذه المباني تحتاج إلى أيد عاملة أقل، كما أنها أنظف سواء من ناحية المخلفات أو حتى الضوضاء، وأوفر في الوقت.
وتمتلك الشركة ما يُعتقد أنها أكبر طابعة مجسمة في العالم إذ يبلغ ارتفاعها 6 أمتار.
وتستعمل الطابعة المعمارية مواد البناء والمخلفات الصناعية والزجاج، واسمنتا سريع الجفاف، ممزوجا بعنصر خاص يقوي صلابته، وتمكنت الشركة من طباعة 10 منازل في 24 ساعة.

طائرة بدون طيار

وفتحت تكنولوجيا الطباعة ثلاثية الأبعاد شهية العاملين في صناعة الطيران إذ تشير صحيفة الجارديان البريطانية إلى قيام العلماء في مؤسسة «بي إيه إي» BAE البريطانية المتخصصة بالصناعات الجوية والدفاعية، بدراسة إمكانية تصنيع طائرات استطلاع من دون طيار صغيرة الحجم إلى أكبر درجة ممكنة عبر الطابعات الثلاثية، ويمكن استخدامها في مجموعة متنوعة من الاستخدامات، كالاستطلاع طويل الأمد أو المستمر أو إنقاذ المدنيين والجنود من مواقف صعبة يتعرضون إليها بشكل فردي.