تأنس الفطرة الإنسانية للرائحة الطيبة التي أثبتت الدراسات العلمية تأثيرها المعنوي والنفسي على الإنسان.
من أغرب تناقضات الأسماء في عالم العطور أنّ العطر الذي يتصف بكمية كبيرة من الحنين، سمّاه صانعوه كازانوفا.
وتم تصدير هذا العطر بخيره المتمثّل في رائحته الجميلة السالبة للأفئدة، وشرّ سيرة صاحبه جياكومو كازانوفا العاشق والمغامر الإيطالي، وأشهر زير نساء عبر التاريخ إلى مشرقنا المسكين الغني بعوده وعنبره وكافوره حتى أصبح يتربّع على عرش العطور النسائية الأكثر طلباً.
الفرق بين صانع العطور الغربي والشرقي أنّ الأوّل يستطيع تجسيد الفوارق العميقة بين المدن وتاريخها، فيخلط شذا باريس بعبير البندقية، في استثمار واضح لتداعيات التعبير عبر حاسة الشم عن أماكن وأزمنة مختلفة، لم يكن مستهلك اليوم ضمن صناع قصصها.
هذه الحاسة لا تكتفي بالنقل العصبي المتفق بعقده الأزلي مع المخ ولكن تنقل أيضاً صوراً خلابة تمتزج فيها الحقيقة بالأسطورة لجياكومو كازانوفا المولود في فينيسيا الإيطالية والذي لم تنته حياته فعلياً عام 1798م ولا بكتابة مذكراته في باريس.
فذلك الساحر لا يزال يخلق الإثارة من قبره، حيث تمت طباعة مذكراته أكثر من مرة إلى أن وصلت مخطوطتها الأصلية التي اشترتها فرنسا قبل أربع سنوات من عائلة ألمانية إلى أكثر من سبعة ملايين يورو.
وغير القيمة التاريخية لهذه المذكرات المكتوبة بخط يد كازانوفا فإنّها ذات قيمة أدبية رفيعة جاء تفصيلها في مؤلف للفرنسي فيليب سولير بعنوان «كازانوفا الرائع» ووصفه فيها بأنه «بسيط، مباشر، شجاع، مثقف، فاتن، مضحك، إنه فيلسوف قيد الحركة والفعل».
بينما حكى كازانوفا عن تجربته في الكتابة بقوله «الكتابة بحد ذاتها ذات طابع شيطاني ومن ينكبّ النهار بطوله على الكتابة إنما يقوم بعمل سحري».
فلنقلب الصفحة وننظر إلى قيمة الحنين الكامنة عند شخصيات عربية تاريخية تشابه كازانوفا في رهافة المشاعر وتخالفه في السلوك، في مثل ما جاء بها الشعراء قديماً.
والشعراء من أكثر الشخصيات المعنية حظّاً لأنّهم قاموا بتدوين ما أحسوه ونظموه.
ويبرّر البعض لظهور ذلك الحنين وسط حياة قاسية إلى أنّ الرحلات العربية في الماضي ومشقتها من ناحية بدنية ونفسية هي التي خلقت ارتباط العرب بديارهم وأهلهم.
فجاءت تلك المعاني الفنية الصادرة من القلب إلى قلب المتلقي مباشرة خالقةً رابطةً روحية بينهما.
وموضوع الحنين في تلك القصص المحكية شعراً تفيض فيها روح قائلها كما المتلقي بأحاسيس شوق وحب وحرمان يخرج فناً جميلاً ومؤثراً.
ومعظم قصائد الحنين ذات الدلالات لا تدخل بالضرورة في باب الغزل بقدر ما تتلاءم مع الحنين إلى الوطن، حتى ولو بث الشاعر شوقه لمحبوبته عن طريق وطنه أو العكس.
من ضمن ما أعجبني من قصائد الحنين في الشعر العربي القديم دالية عبدالله بن الدمينة الأكلبي ذلك الشاعر التقدمي الذي احتارت في تحديد حياته عصور التدوين الأولى فاكتفى المؤرخون بترك شعره يتحدث عن مكانه وليس زمانه: ألا يا صبا نجد متى هجت من نجدلقد زادني مسراك وجداً على وجد رعى الله من نجـد أنـاس أحبهـمفلو نقضوا عهدي حفظت لهـم ودي وفي القصيدة تمنٍ ورجاء، وهذا شيءٌ إيجابي يدحض فكرة أنّ الحنين هو الاستسلام بالبكاء على الأطلال بمثل سلبية امرئ القيس.
وبسبب الرغبة في نشر تلك الأحاسيس جاءتنا أوّلاً على جلود الحيوانات، ثم على الورق المصنوع من جذوع الأشجار، وتطورت إلى أن وصلت إلى قرائها عبر شاشات الحواسيب المضيئة.
ترى كم من الجمال سيكون لو أنّ العطور الشرقية خلّدت سيرة مثل هذا الشاعر، للتذكير فقط بأنّ بثّ الحنين كان بسبب رغبة في تحرر المشاعر من أسرها حتى في حدود ذلك الزمان.
فماذا لو كان ابن الدُمينة أو قيس بن الملوّح أو عنترة بن شدّاد أوجميل بثينة، قوارير عطور تستوعب الذائقة العربية الكلاسيكية في ميلها لاستنطاق القصيدة مع العطر.