لقد خصصت أول جمعة من أبريل لتكون اليوم العربي لليتيم، وخصص للاحتفاء به هذا العام 9 فبراير 2015، ولا أعلم حقيقة لماذا حددت هذه الأيام، لأننا كمسلمين لا بد أن نكرم اليتيم في كل وقت وحين؛ حيث كرست الشريعة الإسلامية جل اهتمامها باليتيم والإحسان إليه، فهو من أعظم الأعمال التي تدخل الجنة، فكما قال عليه الصلاة والسلام: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا قَلِيلاً. وجعل عليه الصلاة والسلام مسح رأس اليتيم عطفا وحنوا عليه سبباً لجلاء ومعالجة قسوة القلب، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنه قال: «أَنَّ رَجُلاً شَكَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَسْوَةَ قَلْبِهِ، فَقَالَ لَهُ: إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يَلِينَ قَلْبُكَ فَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ، وَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ».
بل وينهي الإسلام عن الإساءة لليتيم وقال تعالى: (فأما اليتيم فلا تقهر..)، وهناك الكثير من الشواهد والمواقف التي تحض على الإحسان إليه.. حيث من فوائد كفالة اليتيم: أنها تسهم في بناء مجتمع سليم خال من الحقد والكراهيّة، وتسوده روح المحبّة والودّ، بل إن كفالة اليتيم دليل على صلاح المرأة إذا مات زوجها فعالت أولادها وخيريّتها بين الدّنيا وفوزها بالجنّة ومصاحبة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم في الآخرة.
.. ولكن هل اليتُم يعني الضعف؟ هل يعني العجز وعدم القدرة على مواصلة الحياة؟ هل يعني الاستسلام للغير في كل شؤون الحياة؟ طبعا لا ؛ فمن المعجزات الإلهية أن جعل الله سبحانه وتعالى نبيه الكريم محمد بن عبدالله يتيماً يعاني فقد الوالدين؛ فكان يتيماً وراعياً للغنم، وكان يعمل في تجارة السيدة خديجة قبل وبعد البعثة.. مع أنه كان من أسرة عريقة، وهم بنو عبدالمطلب الذين هم سادات قريش، وكانت لهم الرئاسة في مكة، وكانت أمه آمنة بنت وهب من بني زهرة أيضاً من أعرق الأسر المكية، فقد كان أبوها وهب بن عبدمناف سيد بني زهرة شرفا، كما كان عمه أبو طالب ميسور الحال، وكان من الممكن أن ينفق عليه.. ولكن مع ذلك آثر المصطفى عليه الصلاة والسلام العمل في رعي الإبل؛ ليكتسب قدرات خاصة في ترويض نفسه على الصبر ويعطي لأمته دروسا وعبرا في الحياة عن أهمية العمل.. ومع أن له عدة نساء وله خادم ولكنه كان يخيط ثوبه ويرقع نعله ويحلب شاته ويخدم نفسه.. كل ذلك ليكون قدوة لأمته في أهمية العمل والاعتماد على الذات.
وللعمل في الإسلام أهمية عظمى فهو أساس ودعامة تنمية المجتمع في نظامه الاقتصادي ونموه الاجتماعي وتطوره الحضاري. لأن الإنسان هو خليفة الله في الأرض ومكلف ببنائها وعمارتها، وتحقيق مبادئ الاستخلاف في الأرض، والاستفادة منها لا يكون إلا بالعمل واستثمار كل الموارد الطبيعية والبيئية، والبحث في كافة المجالات المناسبة له للعمل، وبالتالي الوصول إلى العبادة المطلقة التي يتسامى بها الإنسان عند الله سبحانه وتعالى كما ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: (العبادة سبعون جزءًا، أفضلها طلب الحلال) أي العمل الحلال..
وحث الإسلام على العلم وأن فضل العالم على العابد سبعون درجة، لأن التعلم يكسب الإنسان المعرفة الصحيحة والمهارات والخبرات اللازمة التي تعينه على العمل وفق أسس علمية صحيحة..
حقيقة إن أهم ما يميز الحياة الإنسانية هو توفّر الشعور واليقظة الإنسانية بضرورة السعي والعمل لطلب الرزق، وعمل المسلم يجسّد شخصيته وتوكله على الله واعتماده عليه في كل شؤونه فكما قال تعالى: وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى».
كل منا لا بد أن يعمل لتحقيق وتقدير ذاته، ولكسب لقمة العيش الشريفة، ثم لبناء المجتمع ونموه الحضاري.. ومهما كان هذا العمل بسيطاً، فهو إضافة قيمة لبناء الوطن ورقي الأمة المسلمة.