تتعدد أشكال اللصوص واختصاصاتهم في هذا الزمان، ولا أحبذ الحديث عنهم بسبب بغضي الشديد لهم، ونفوري منهم جميعا، لكني سآخذكم في رحلة - أتمنى أن تكون مشوقة - للحديث عن لصوص من نوع خاص ومحبب.!
وتبيانا للقول، فإن وصفي لهم باللصوص هنا، هو وصف مجازي لا يخلو من حقيقة، لكنهم لا يحملون بشاعة ولؤم اللصوص الحقيقيين، كلا، فهم أجمل وأعذب وأنقى.!
في واقع الحال، إنهم أحباؤنا الذين نقضي معهم وبينهم أسعد الأوقات، وفي حضرتهم تمضي الساعات سريعة، وتفر الأيام هاربة، وتمضي الأعوام كالحلم.!
كم أضناني تفكيري واحتار عقلي، في هذا الحساب الغريب للزمن، فكلما جلست إلى صديق عزيز أنسى أنني أربط الساعة بمعصمي الأيسر، ولا أنظر إليها مطلقا، ويتنوع الحديث مع ذلك الصديق، بين المفرح والمحزن، وتسود لحظات من الصمت، نكاد أن نسمع صداها.!
ويمضي الوقت سريعا دون شعور منا به، ويتملكنا الإحساس بأننا خرجنا من دائرة الزمان كليا، وما عادت تنطبق علينا حسابات ساعاته ودقائقه.
فما حقيقة هذا الشعور؟! وما مبعثه؟!
هو - بلا ريب - شعور حقيقي، حدث ويحدث مع كثيرين، ومرده - كما يتضح - إلى مزيج رائع من البهجة الغامرة، الناتجة عن التوافق الفكري والنفسي بين الأصدقاء، وكذلك الأزواج.
حينها تغدو المجالسة والأحاديث متعة لا تنقضي، تشبه في لذتها لذة الطعام والشراب والنوم وغيرها.. حتى قال السابقون إن من متعهم في الدنيا، مجالسة أقوام ينتقون أطايب الكلام، كما ينتقى أطايب الثمر.
وفي عالم الأزواج، نشاهد صورا تبعث على السعادة والإعجاب، لزوجين بلغا من العمر عتيا، يظهران بابتسامة صافية وتجاور جسدي، ولو سألنا أحدهما عن مدى محبته للآخر، لأجاب متحديا: أنا أحبه أكثر.!
وللشاعر أحمد شوقي رحمه الله، قصيدة فائضة العذوبة في هذا المعنى، يقول في أبياتها:
جبل التوباد حياك الحيا
وسقى الله صبانا ورعى
فيك ناغينا الهوى في مهده
ورضعناه فكنت المرضعا
وعلى سفحك عشنا زمنا
ورعينا غنم الأهل معا
وحدونا الشمس في مغربها
وبكرنا فسبقنا المطلعا
هذه الربوة كانت ملعبا
لشبابينا وكانت مرتعا
كم بنينا من حصاها أربعا
وانثنينا فمحونا الأربعا
وخططنا في نقى الرمل فلم
تحفظ الريح ولا الرمل وعى
لم تزل ليلى بعيني طفلة
لم تزد عن أمس إلا إصبعا.!
ما لأحجارك صما كلما
هاج بي الشوق أبت أن تسمعا؟!
كلما جئتك راجعت الصبا
فأبت أيامه أن ترجعا
قد يهون العمر إلا ساعة
وتهون الأرض إلا موضعا.!
وهنا لا يفوتني أن أخبركم أيها القراء الأعزاء، بما يحدث لي في كل مرة أكتب لكم فيها، فالزمن والمساحة يركضان مني سريعا، وهذا لروعة وجودكم، وسحر حضوركم الذي لا ينقطع.!
لا تسرق الوقت.!
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
