الكاتب: جاند جوبال
الناشر:
Henry Holt and Co 2014
لم تتوقف روايات حرب أمريكا العالمية على الإرهاب، ومع تزايد هذه الروايات والتقارير والشهادات بدأ يثبت بالدليل القاطع أن العديد من الناس الذين اعتقلوا وعذبوا لم يمثلوا أي تهديد لأمن أمريكا، على الأقل ليس قبل أن تجعلهم تصرفاتها تهديدا لأمنها بالفعل، وفي الأسبوع الذي صدر فيه تقرير مجلس الشيوخ عن التعذيب، كنت أقرأ كتاب الصحفي الشهير أناند جوبال الجديد "لا أخيار بين الأحياء"، والذي يحكي قصة أفغانستان المعاصرة من خلال عيون أنصار الرئيس السابق حامد كرزاي، وأحد قادة طالبان، وربة منزل من كابول أمضت سنوات من حياتها ترتدي حجاب البردة في بلاد طالبان.
ومرارا وتكرارا، تتكشف فصول نفس القصة، ويظهر شخص محلي كبير النفوذ فيبدي استعداده، بل ورغبته الشديدة، لدعم الحكومة الجديدة التي تناصرها أمريكا، فقط لكي يبلغ عنه بوصفه أحد أعضاء حركة طالبان من قبل مواطن أفغاني.
وعادة لأسباب سياسية أو شخصية محلية ــ لدى القوات الأمريكية التي لم تكن تعلم ذلك.
والواقع أن هذا النمط يتكرر في روايات أي شخص عاش في أفغانستان، وتحدث لغتها، وفهم طريقة عمل المحسوبية والسلطة هناك، وغالبا كان هؤلاء الرجال المبلغ عنهم يعتقلون ويعذبون لسنوات.
هذا الكتاب يسعى إلى تبديد الغموض والفوضى والالتباس في المشهد الأفغاني، من خلال مشاهدات حية وشخوص من دم ولحم، لنكتشف أن هناك قصة أخرى وراء الخلط بين طالبان والقاعدة.
لم تبدأ حرب أمريكا رسميا في أفغانستان والتي وصفت بأنها "مستنقع ميؤوس منه"، قبل أحداث 11 سبتمبر 2001، لكن الأفغان سبق وأن مارسوا القتال قبل هذا التاريخ لأكثر من عقدين من الزمن.
وبالتالي فإن مشاكل أفغانستان تعود إلى 1979، عندما غزا الاتحاد السوفيتي بلدا مسالما إلى حد كبير واستمر في احتلاله لمدة عقد من الزمن ولم ينسحب الروس إلا في 1989 بعد أن تركوا أفغانستان واحدة من أكثر الدول التي دمرتها الحرب.
فقد ترك الروس وراءهم عشرات من جماعات المقاومة ضد السوفييت تحولت بنادقها إلى صدور بعضها بعضا، وإطلاق العنان لحرب أهلية أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف مع ركام قليل ما زال باقيا من البنية التحتية للبلد، فضلا عن عصابات متنافسة للسلب والنهب للمسافرين تحت تهديد السلاح وخطف النساء والصبيان من الشوارع مع الإفلات من العقاب.
كان الآلاف من مقاتلي طالبان مثل هذا النموذج الذي يقدمه لنا جوبال في كتابه قد تخلت عن حياة القاتل بعد 2001، ولكن شيئا ما أعاد معظمهم إلى ساحة المعركة في وقت لاحق بعد سنوات قليلة.
وحرب أمريكا على الإرهاب في أفغانستان هي أول تجربة عالمية كبرى في القرن الـ21 تكشف كيف صنع صراع القوى السياسية العسكرية "ظاهرة خطيرة" يحتشد العالم ضدها.
ويقول: عندما غزا الروس أفغانستان في 1979 كنت بين 3 – 5 سنوات، تلك الحرب قد تكشفت معظمها في الريف، وتحدث الناس في كابول العاصمة عنها وكأنها تحدث في بلد آخر أجنبي، ولكن تراجع الروس أعقبه اندلاع الحرب الأهلية في 1992، وانتقل الصراع إلى العاصمة، وفي النهاية جندت في ميليشيا محلية، وكانت حياة بلا هدف حتى اجتاحت طالبان السلطة في 1996، وأصبحت الملهم لآلاف من الشبان للحشد لقضيتها، وكنت واحدا منهم.
لقد كنا نشعر مع طالبان بأننا الشعب الأكثر نفوذا في العالم، مع الشعور بالاستقرار والأمن بعد سنوات من القهر والاغتصاب وامتهان الكرامة.
لمدة خمس سنوات دار القتال على الأرض بين قوات طالبان والتحالف الشمالي، لكن في 9 يوليو 2001 وقعت أول عملية انتحارية في التاريخ الأفغاني حين تنكر بعض العرب في زي صحفيين واغتالوا أحمد شاه مسعود الزعيم الأسطوري للتحالف.
في صباح 21 سبتمبر 2001 شاهدنا على شاشات التلفزيون ما كنا نخشاه منذ فترة طويلة، ونحن نحدق في ركام برجي التجارة العالمي والرئيس بوش يقول "سنبذل كل جهدنا للتمييز بين الإرهابيين الذين ارتكبوا هذه الأفعال وأولئك الذين يتعاطفون معهم".
لم يجلب أسامة بن لادن وحاشيته من الأتباع سوى المتاعب لأفغانستان لأنه قد هبط في 1996، وأسس مع الأفغان العرب لتنظيم القاعدة وكان يتحدث لغة مختلفة، ومارس ثقافة دينية حملت شكلا مختلفا عن نظرائهم الأفغان.
هدف بن لادن كان الجهاد الدولي لإسقاط الهيمنة الأمريكية العالمية، في حين أن حركة طالبان كانت معنية إلى حد كبير بالسياسة داخل حدود بلادها، وبينما كان بن لادن وتنظيمه يفجران سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا، كانت طالبان تسعى للاعتراف الدبلوماسي الغربي.
لكن وبسرعة، أصبحت مشكلة أمريكا مع بن لادن هي مشكلة طالبان أيضا.
لا أخيار بين الأحياء
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
