X

ضحايا الحديد..

السبت - 10 مارس 2018

Sat - 10 Mar 2018

في هذه الأيام القلائل سمعنا من الأمور بسبب حوادث الطرقات ما يجعل الإنسان في حيرة من أمره، فعلى الرغم من كمية الإرشادات بل والغرامات والعقوبات، ما زال شباب الأمة يضيع من بين يديها، والدولة أفرغت كل ما في جعبتها من نصائح، حرصا على أبنائها وشبابها الذين تعقد عليهم الآمال.

وما زالت الطرقات تأخذ كل يوم ضحايا جددا من الشباب في عمر الزهور، عوائل بأكملها، أمهات وآباء. وأنا أناشد هنا الأبناء بأن يرفقوا بأمهاتهم وآبائهم، فلقد ضجت القلوب ونزفت ألما، ففي الوقت الذي يرون أبناءهم يترعرعون أمام أعينهم وفي كنفهم كأزاهير الرياض يسقونهم من ماء أعينهم كي لا يذبلوا، وفي حين يترقبونهم وهم يكبرون أمام أعينهم وهم يأملون ويرجون أن يكونوا عونا لهم عند كبرهم، يدوي فجأة صوت خبر يزلزل أركان قلوبهم بأن قرة أعينهم وفلذة أكبادهم قد أكلهم الحديد، فيا لهول ما سمعوا، ومع الصدمة الأولى لولا الله الرحيم، لقضى معظم الآباء والأمهات حزنا على أبنائهم.







وأنا أتساءل في مرارة، هل استشعر الابن الذي ركب سيارته وفي ظنه أن أنداده سيصفقون له تشجيعا وثناء على أنه سائق ماهر خطورة مايفعل؟ هل يهتم الشاب برأي أصدقائه أكثر من حزن أمه أو أبيه حين يصل إليهما خبر تعرضه لحادث؟ ألا يستشعر الأبناء قدر الحزن والألم اللذين يتسبب بهما بتهور قيادة لا داعي لها ولا طائل منها سوى مزيد من الأسى والحزن.

وهناك أمر قد يكون سببا في هذه المآسي، وهو كثرة اللعن من قبل الآباء والأمهات لأبنائهم، وأنا على يقين تام بأنه غير مقصود، ولكن ألا توجد ساعات استجابة! فلنضع هذا الأمر أيضا من ضمن الأسباب، ولو أنه سبب غير مباشر، ولكن نحن هنا نبحث عن أي شيء يسبب هذه المآسي التي كبرت كحجم أحزان الأمهات والآباء، وكلنا يعلم أن السبب الرئيس هو الإهمال وعدم الانتباه حين القيادة، وعدم الالتزام بأنظمة السير، ورؤيتها على أنها مجرد قيود فقط. نعم هناك معادلة بسيطة هي أن السرعة الجنونية مع عدم الانتباه والانشغال أثناء القيادة تؤدي إلى الحوادث القاتلة.

كل عاقل يعرف حل هذه المعادلة البسيطة في قرارة نفسه، وليضع أمام عينيه أنه مسؤول عن هذه الأرواح المهدرة، وليكن متيقنا من أن الله سائله عنها، نحن نترحم على الأموات الذين رحلوا في هذه الحوادث، ونرجوا لهم المغفرة وسكنى الجنان، وفي الوقت نفسه نقول لمن لا يرعوي: احذر فقد تكون سببا في تيتم أطفال وترميل نساء، لا لشيء سوى الأنانية وحب النفس والافتخار أمام أصحاب لو أرادوا لك وبك خيرا لنهوك ونهروك عن قتل نفسك ومن حولك ممن يتشاركون معك في هذه الطرقات، ألا تخشى أن يسألك الله عن هذه الأرواح التي تسببت في إزهاقها، اعلم أنه حتما سيسألك، وعليك أن تعد للسؤال جوابا ينجيك. وقد أكون غير منصف في العنوان، حيث إن الحديد من الجمادات التي لا تعقل، ولكن مسيره وقائده عاقل فمن الضحية يا ترى؟

هل فعلا نحن كما يصفنا الآخرون بأننا لا نحسن استعمال معظم التكنولوجيا الواردة إلينا؟ وهل فعلا ما نحن فيه هو ضريبة الغنى والنعم التي أنعم الله بها علينا؟ إن كان ما قيل عنا صحيح فعلينا إذن أن نراجع أنفسنا ونجلس معها جلسة محاسبة جادة خالية من المجاملات وتهوين الأمور، فالقضية ليست هينة بتاتا، وهي تبين مدى تحضرنا أو تخلفنا رغم ادعائنا أننا في القرن الـ21، ونحن لا نحسن حتى الحفاظ على أرواحنا، ومعذرة إن قسوت بعض الشيء، ولكن الأمر أصبح فوق المجاملات والإبر المهدئة، نسأل الله أن يلهمنا رشدنا.

الأكثر قراءة