ضجت مواقع التواصل الاجتماعي في الأيام القليلة الماضية بسبب صورة الفستان الغريب، الذي يظهر للبعض باللونين الأبيض والذهبي ولآخرين باللونين الأسود والأزرق! فكثر الجدل وأثيرت علامات التعجب والاستفهام حول الأمر، وخاض الجميع في نقاشات عميقة وفلسفية، فأخذ الموضوع حجما كبيرا لدرجة أن الصورة عرضت في مدرجات الجامعات بأمريكا لمناقشتها، وأعطي فيما بعد تحليل علمي مقنع يفسر ظاهرة غريبة لم نكن نعرفها من قبل.
عموما لا ألمس أي عيب في مناقشة هذا الموضوع لأنه ظاهرة علمية تستحق الاهتمام، ولست مع من يتصدون لكل نقاش خارج عن إطار السياسة والحروب والإرهاب، فتجدهم ينددون هنا وهناك بكلمتهم الشهيرة “الناس تموت جوعا وتموت قصفا ونحن نناقش لون فستان”، كالعادة نفس الجملة يرددونها عندما يجدون أحدا يتحدث في موضوع فني أو ثقافي أو علمي ...، وكأن مهمتهم في الحياة “محتسبين للهم والغم”، إذا نسيت هموم الحياة هناك مجندون يذكرونك بها، مع أن من يعيشون في المخيمات وفي دول الحروب ما زالوا يناقشون مواضيع الحياة، ويتعلمون ويبتسمون ويحيون الأفراح وينجبون الأطفال ويمارسون حياتهم بحلوها ومرها.
التفسير العلمي للموضوع راقني جدا وهو أن كل دماغ يختلف عن الآخر وجميعنا لا نرى نفس درجات الألوان ويمر الأمر لأن الاختلاف يكون بسيطا في أغلب الأحوال، لكن في الصورة كان الاختلاف واضحا بسبب انعكاس الضوء، والدماغ البشري يواجه صعوبة في التمييز بين لون الضوء الساقط ولون الفستان نفسه عند امتزاجهما، لذا يظهر بهذه الصورة المربكة للجميع، والأمر ليس له علاقة بأي خلل في الدماغ أو ما شابه ذلك.
باختصار نحن البشر نملك نفس الأعضاء البشرية ظاهريا، ولكنها تختلف باطنيا...فعقولنا لا تشبه بعضها بعضا ودرجة استيعابنا وفهمنا وتحليلنا للأشياء تختلف من شخص لآخر، والفستان أكبر دليل على أن عينك لا تبصر ما يبصره صديقك المجاور لك، لذا النقاشات العميقة والخلافات العويصة التي تفقدنا القريب قبل البعيد لا فائدة منها، فالاختلاف من سمات الحياة الضرورية يجب التأقلم معه وتقبله دون حمل سلاح لتقنع الآخر أنك على حق، الفستان ولونه ليسا موضوعا تافها أنسى العالم معانات الشعوب في ظل الحروب والمجاعات، لكنه يحاول إيصال رسالة بسيطة لو استوعبها العالم لكان السلام سيد المواقف.
الفستان!
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
