أخيرا ستتاح الفرصة أمام شركات الأدوية وشركات التأمين البريطانية ابتداء من العام الحالي للحصول على معلومات المرضى، بما فيها بيانات الصحة العقلية وبقية الأمراض مثل السرطان، إضافة إلى العادات السيئة مثل التدخين وتناول المسكرات
وووفقا لصحيفة «الجارديان» فإنه ابتداء من العام الحالي سيتم نقل ملفات المستشفيات كافة والتي تحتوي على بيانات سكان المملكة المتحدة لتخزينها في مستودع واحد تحت إدارة جديدة تسمى «حماية الصحة القومية»، وهي المرة الأولى في تاريخ بريطانيا التي يتم فيها حفظ البيانات الطبية للمرضى في مكان واحد
ويرى المدافعون عن هذه الخطوة أن لها العديد من المزايا، مشيرين إلى أن تبادل البيانات سيجعل من الأسهل تحقيق تقدم طبي، وإنقاذ الأرواح في نهاية المطاف، لأنها سوف تسمح للباحثين إمكانية التحقيق من الآثار الجانبية للعقاقير الطبية، أو أداء الوحدات الجراحية في المستشفى من خلال تتبع أثرها على المرضى
إلا أن المدافعين عن خصوصية المواطنين يحذرون من أنه لن تكون هناك فرصة لمراجعي المستشفيات للحفاظ على سرية البيانات التي تحتويها سجلاتهم الطبية، وربما أكثر من ذلك، لأن هذه السجلات الطبية تحتوي على بيانات تشمل أرقام سجلاتهم المدنية، وتواريخ ميلادهم، ورموزهم البريدية، إضافة إلى الجنس
مشيرين إلى أن هذه البيانات لن تكون متاحة فقط أمام استخدام الجهات البحثية مثل الجامعات، وإنما سيكون أيضا أمام شركات التأمين وشركات الأدوية الانضمام لعضوية «مركز معلومات العناية الصحية والاجتماعية» الذي سيتولى إدارة هذه المعلومات
وإذا تم إقرار هذا التوجه الذي لا يزال قيد الدراسة، فإنه سيكون بإمكان شركات الأدوية، بعد دفع الرسوم المقررة، أن تحصل على البيانات التي ترغب فيها، والتي سيتم إجراء بعض التحديثات فيها لضمان سرية أصحابها
ومع ذلك، يقول مدير إدارة الحماية السرية بالمركز مارك ديفيز «هناك مخاطر بحدود معقولة، لأن بعض المرضى قد يمكن إعادة تحديد شخصياتهم، لأن شركات الأدوية تمتلك بدورها سجلات خاصة بها، مما يمكنها من مطابقة المعلومات الصيدلانية للخروج بنتيجة محددة»، وأضاف «ستكون لك القدرة على تحديد هوية الأشخاص إذا كان لك مقدار كاف من المعلومات، والأمر يعتمد أولا وأخيرا على مقدار ونوعية تلك المعلومات وكيفية استخدامها، ولكني على العموم أعتبر أن هذا خطر صغير، من الناحية النظرية»
وأضاف ديفيز «بمجرد أن يتم إقرار هذا البرنامج بواسطة «مركز معلومات العناية الصحية والاجتماعية»، ويتم تحميل بيانات المرضى خلال هذا الصيف وفق ما هو مقرر، فإن القانون لن يميز بين الإدارات الحكومية، وإدارات البحوث الجامعية، وشركات الأدوية أو شركات التأمين في حال تلقي طلب للوصول إلى تلك البيانات»
ولتخفيف القلق الذي يعتري كثيرين، قام «مركز معلومات العناية الصحية والاجتماعية» بإرسال مطويات حملت عنوان «معلومات أفضل يعني حماية طبية أفضل لأكثر من 26 مليون ربة منزل»، مشيرا إلى أن أجزاء من قاعدة البيانات سيتم استخدامها بواسطة إدارات البحث العلمي والمنظمات ذات الصلة، ما لم يقرر المرضى الانسحاب عبر أطبائهم الخاصين
بالمقابل يقول أحد المستشارين الحكوميين في مجال حماية الخصوصية إن فتح الباب أمام الجمعيات والشركات للوصول إلى بيانات المرضى دون توفير ضمانات تخفف من القلق حول احتمال انتهاك الخصوصية، يترك عددا من الأسئلة دون إجابات واضحة حول خصوصية الناس
بدورها ترى الأستاذة بجامعة نوتنغهام جوليا هبيسلي التي ترأس فريق السلامة الاستشاري في مركز معلومات العناية الصحية والاجتماعية أنه - رغم وجود مكاسب عدة في البرنامج للمرضى في حالة إقرار البرنامج وتطبيقه على أرض الواقع - ينبغي أن يكون لأصحاب تلك السجلات الطبية القدرة لمعرفة الذي يستخدمون بياناته، ولأي سبب، وأضافت «كذلك ينبغي أن تكون هناك وسيلة واضحة لمراجعة البيانات، وأن يتمكن المريض من الدخول لمعرفة بياناته، على أن يتم تصميم آلية تقاسم البيانات بطريقة مبسطة أيضا، وكل هذه الملاحظات ينبغي أن يتم احترامها»
بدوره يؤكد مدير إدارة الحماية السرية بالمركز مارك ديفيز أن آلية العمل ستتسم بالشفافية المطلقة، ورفض الدعوات المطالبة بالتدقيق في طلبات الوصول للبيانات، وقال «أحاول التأكيد على أنه سيكون لدينا 50 مليون مدققا»، في إشارة لعدد سكان إنجلترا
وأشار ديفيز إلى أنه كان من الأهمية بمكان تمكين الشركات الخاصة والمستشفيات من الوصول لبيانات المرضى لضمان تطور الخدمات الطبية، وقال «لدينا شركات ومستشفيات خاصة مثل فيرجن التي تشتري حقوق الوصول للبيانات، هذا هو الاتجاه الذي سيستمر طالما أنهم يقدمون خدمات أفضل للمرضى»، وأضاف «على كل فإن النقاش الدائر حاليا هو نقاش إيجابي، لذلك كان من الجيد أنه فتح»
وأشار ديفيز إلى بعض من الشركات الخاصة مثل بوبا كانت تملك القدرة على الوصول إلى معلومات حساسة عن المرضى من سجلات المستشفيات، بالرغم من عدم قدرة أي جهة على ربط تلك المعلومات، وتابع « لست متأكدا من أهمية التمييز بين المعلومات الخاصة والعامة، فهناك شركة «د
فوستر» وهي شركة خاصة تستخدم البيانات الطبية للتأكيد على إمكانية تطوير الخدمات الطبية في مركز معلومات العناية الصحية والاجتماعية والتحدي الحقيقي في نظري يكمن في قدرة النظام الجديد على تحسين الخدمات الطبية باستخدام البيانات المتاحة»
وبرغم تلك التطمينات، إلا أن عددا من الناشطين في المجتمع حذروا من إتاحة البيانات أمام شركات التأمين وشركات الأدوية، مشيرين إلى أن عددا من المواطنين لن يشعروا بالراحة من نشر بياناتهم الطبية، لا سيما إذا لم يتم مراجعتها بصورة روتينية، وقال فيل بوث الذي يعمل منسقا في إحدى جماعات الضغط المعارضة لنشر البيانات الطبية «أول المخاوف الشائعة التي تثير مخاوف الناس حول سجلاتهم الطبية هو أنها سوف تستخدم لأغراض تجارية، وهو ما يعني أنهم قد يتعرضون للتمييز من قبل شركات التأمين في أماكن العمل»
وأضاف «بدلا من منع ذلك التمييز، فإن البرنامج يبدو أنه مصمم بطريقة متعمدة تسمح بتحديد بيانات أي شخص والتأكد منها بواسطة من يملكون معلومات عنه، مع عدم وجود تدقيق في طريقة استغلال تلك البيانات بواسطة الشركات، حتى إن أصحاب السجلات أنفسهم لا تتم استشارتهم عند الدخول لبياناتهم، وهو ما يعني أننا أمام كارثة حقيقية»
وكان مسؤولون في مركز معلومات العناية الصحية والاجتماعية قد قالوا إن الأسباب الخمسة التي ستبرر الدخول للبيانات هي المعلومات الصحية، وتحسين الخدمات، ومراجعة الحسابات، والبحوث الصحية وتخطيط الخدمات، إلا أن بوث أضاف «المسؤولون يحاولون التأكيد على أن بيانات المرضى لن تستخدم إلا للأغراض المعلنة، إلا أن الاستخدامات غير الطبية وغير البحثية تضخمت حتى قبل أن يتم تنزيل البيانات، ورغم أننا لم نقرأ ذلك في المطويات التي تم توزيعها، إلا أن الاستخدامات الحقيقية لبيانات المواطنين الصحية لن تتوقف على الهدف الرئيسي من هذا البرنامج، لا سيما أن قاعدة البيانات ستكون عملاقة بالقدر الذي لن يكون ممكنا معه التأكد من حسن الاستخدام»
بدوره أكد مركز معلومات العناية الصحية والاجتماعية أنه سيقوم خلال الأسبوع الأول من الشهر الحالي بنشر تقييمه الخاص لمخاطر انتهاك الخصوصية، مشيرا إلى أن الهدف الرئيسي من البرنامج هو دفع النمو الاقتصادي من خلال جعل إنجلترا مركزا عالميا للبحوث الصحية على مستوى العالم
وقال المتحدث باسم البرنامج إن التطبيق الفعلي سيكون على مراحل عدة لفترة 3 أشهر، حيث سيقوم مركز معلومات العناية الصحية والاجتماعية بتقييم جودة البيانات وكيفية ربطها قبل جعلها متاحة أمام الشركات، مضيفا أنه سيكون من الخطأ حرمان الشركات الخاصة من الاطلاع على تلك البيانات لمجرد مخاوف، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في القدرة على التأكد من اتجاه الشركات للاستفادة من تلك البيانات