كانت بدايتها في العقار عندما قررت شراء منزل، فوجدت أن المعروض يباع ويؤجر بمبالغ كبيرة، رغم أنه لا يرقى للمستوى المطلوب ويفتقد للصيانة والخدمات، ومع كثرة البحث والسؤال أحبت العمل في العقار، فقررت ميساء النعمان مديرة مكتب سيدة الشمال للعقار أن تخوض التجربة.
بدأت مع مكتب عقاري من خلال تسويق منتجاته عبر الانترنت، معتمدة على علاقاتها مع بعض الأصدقاء والأقارب، فحققت نجاحات كبيرة، واستمرت في التسويق حتى التقت أحد المهندسين الذي يستثمر في العقار، فأعجب بأسلوبها ونشاطها، فقرر أن يضمها لفريق عمله وبدأ تدريبها وتعليمها لمدة 6 أشهر، وبالفعل حققت نجاحات كبيرة معه، ثم قررت احتراف المهنة وفتح مكتب متخصص في التسويق العقاري، وتلقت كثيرا من عروض الشراكة مع مستثمرين ووسطاء معروفين في السوق، إلا أنها قررت العمل مستقلة بنفسها، فكانت تعمل أحيانا 12 ساعة في اليوم، وتحملت كثيرا من الهجوم وكثيرا من الكلام الجارح في سبيل تحقيق أهدافها.
أصبحت ميساء النعمان من أكثر المسوقات شهرة في جدة، وحصلت على وكالات متعددة لنساء ورجال، كما أنها تدير أملاك مستثمرين في السوق.

انهضم حقي

للمصداقية دور مهم في النجاح، خاصة في المجال العقاري الذي يعاني من الغش والخداع، والكلام لميساء النعمان، لهذا السبب يبحث كثير من المستثمرين والمستثمرات عن الوسطاء الصادقين، كما أنني لا أحاول التفرد بالعمولة لوحدي، فمن طبعي التعاون مع الآخرين وإشراكهم في البيع والشراء، فمنذ سبع سنوات تممت بيعة واحدة فقط لوحدي.
وتضيف: هُضم حقي في كثير من الصفقات، لكنني لا أطالب بحقوقي إلا في المبالغ الكبيرة، أو عندما أجد استهتارا من قبل البعض لأنني امرأة، وفي مرة أخذت حقي من إحدى الصفقات بواسطة المحكمة، لأن الطرف الآخر قال لي «سأعطيك حسنة» فأوصلت الموضوع إلى المحكمة رغم أن المبلغ لا يستحق.

المستثمرات لا يثقن في المرأة

وتشير النعمان إلى معاناة المستثمرات في سوق العقار من المتربصين، فهن أكثر فئة في السوق عرضة للغش، وكثير من السماسرة والوسطاء يتربصون بالنساء لرفع الأسعار عليهن، بعكس الرجال الذين لا يستطيعون خداعهم بسهولة، كما أن بعض الوكلاء يبيعون أصول مستثمرات دون معرفتهن ويبخسون ثمنها فيبيعونها بأقل من قيمتها بكثير.
وتضيف: كثير من المستثمرات يثقن بالرجل أكثر من المرأة في سوق العقار، لأنهن تعودن على أن الرجل أكثر دراية وخبرة بالسوق، رغم ما يسمعنه من مشاكل في هذا الجانب، فالصورة الذهنية لدى المستثمرات أن الرجل أكفأ من المرأة حتى لو غشها.
وتؤكد أن الاستثمارات النسائية في سوق العقار ضئيلة جدا، فمعظمهن يفضلن إبقاء أموالهن في البنوك، وفي الآونة الأخيرة اتجه العديد من المستثمرات السعوديات إلى سوق دبي، لوجود نظام واضح هناك يحميهن من التعرض للغش.
وتتابع: كثيرون يتهمون الوسطاء بالغش والخداع، لكن هناك بعض الملاك أيضا يفرضون أنفسهم على الوسطاء من خلال إدخال أقارب لهم في العمولة وبعضهم يحصل هو على عمولة البيع، وهذا حدث معي شخصيا عندما أتممنا بيعة لأحد المستثمرين فأخذ العمولة وتركنا، وبعد ثلاث سنوات في المحاكم صدر حكم بتوزيع العمولة وتخصيص حصة منها له مما يدل على عدم وجود نظام يحمي حقوق الوسطاء.
ومع الأسف لا توجد لدينا ثقافة عميقة بعمل مكاتب الوسطاء، فكثيرون يأتون للمكاتب بحثا عن منتجات عقارية مختلفة، ثم يخرجون ويبحثون بأنفسهم حتى يوفرون ثمن العمولة، مع أنه بمجرد اللجوء للمكتب العقاري يعني أن العمولة أصبحت مستحقة.

فوضى سوق العقار غير طبيعية

تؤكد ميساء أن سوق العقار يغص بفوضى غير طبيعية لأنه يفتقد للمتخصصين بعد أن دخله كل من هب ودب فأصبح العقار مهنة من لا مهنة له، فكل شخص يريد دخول السوق ما عليه إلا فتح سجل تجاري، وهذا خطأ فلا بد من الحصول على دورات تدريبية للعمل في السوق، لأن العقار مهنة تحتاج إلى تعليم وتدريب.
وأضافت أن الدورات المتخصصة في العقار نادرة جدا، وعلى الغرف التجارية أن تكثف مثل هذه الدورات، فهناك من يدفع رسوما للغرف التجارية ولا يستفيد منها، في المقابل يجب أن تعوضهم الغرف بدورات تدريبية برسوم رمزية حتى يشعرون أنهم استفادوا من اشتراكاتهم، ولكي يتشجعوا على تطوير أنفسهم.
وللأسف الشديد إذا وجدت دورات تدريبية ذهبت للرجال وكأن سوق العقار محصورة على الرجال فقط ولا يوجد بها عاملات أو مسوقات بحاجة أيضا لدورات تدريبية، وفي مرة ذهبت إلى الغرفة التجارية بعد إلغاء دورة تثمين للنساء، لكنني لم أجد أي تجاوب فكل شخص ينكر صلته بالموضوع، وطلبوا مني التوجه إلى وزير التجارة.
وأضافت أن هناك فرقا بين الوسيط العقاري والسمسار، فالأول يمتلك سجلا تجاريا ومكتبا ومسموح له بمزاولة المهنة، أما الثاني فهو دخيل على العقار وغير مسموح له بمزاولة المهنة، وللأسف معظم المكاتب العقارية تتعامل مع المرأة على أنها سمسارة فتهضم حقوقها المالية في أي صفقة تتممها وتأخذ أقل بكثير مما تستحق، حتى لو كانت تملك مكتبا وسجلا تجاريا، وهناك من يرفض إعطاء الوسيطات حقوقهن، وأحيانا يجمعون وسيطتين في سهم واحد وفق قاعدة الميراث «للذكر مثل حظ الأنثيين»، وفي بعض الحالات تصل المسائل إلى المحاكم بين الوسيطات والوسطاء وأحيانا الملاك والبائعين، والحقيقة أن بعض الوسطاء من الرجال يتعرضون للظلم أيضا، لكن المرأة تتعرض له بشكل أكبر لأنهم يرونها ضعيفة ولا تستطيع مجاراتهم.

الأسعار سترتفع رغم مشاريع الإسكان

عدّت ميساء النعمان أن وزارة الإسكان لم تؤثر في السوق، فهي موجودة منذ أربع سنوات، ورغم ذلك نجد الأسعار ترتفع، لأننا لم نلمس منتجاتها حتى الآن على أرض الواقع، وأنا أسمع منذ فترة طويلة عن نزول في أسعار العقار، لكن ما ألمسه وأراه أن الأسعار في ارتفاع، وهذا طبيعي جدا لأن 60% من المواطنين يسكنون بالإيجار، وسيستمر الوضع في ارتفاع طالما أن غالبية المواطنين مستأجرون مع احترامي لكل المحللين والمتخصصين الذين قالوا بانخفاض الأسعار.
وتوقعت النعمان ارتفاعا مستقبليا في الأسعار بسبب تدفق الاستثمارات الأجنبية وارتفاع الطلب وقلة العرض، وكذلك ارتفاع تكلفة البناء، مشيرة إلى أن سوق العقار السعودية آمنة جدا ونسب عوائدها السنوية مرتفعة مقارنة بالأسواق المجاورة، وهذا ما يجذب إليها كثيرا من المستثمرين، خاصة من الإمارات وقطر والكويت.

دخول السيدات في التطوير العقاري سيحدث نقلة نوعية

وتقول ميساء إن كثيرا من الوسيطات في السوق العقارية تأثرن بالرجال وأصبحن يكذبن، ظنا منهن أنه السبيل الوحيد لتحقيق مكاسب مادية، وقد تعاملت مع مسوقات كثر يكذبن بهدف إتمام الصفقات، متناسيات أنهن بذلك يعجلن بخروجهن من السوق، لأنهن سيفقدن ثقة المتعاملين سريعا، فمثل هؤلاء لا يبقين في السوق أكثر من سنتين، ثم يختفين، بينما اللاتي يعتمدن على المصداقية في تعاملاتهن يخططن للبقاء في السوق عشرات السنين، فمع مرور السنين تزداد ثقة المتعاملين بهن، وهذا هو النجاح الحقيقي، مشيرة إلى أن كثرة المسوقات وقلة المطورات العقاريات في السوق يعود إلى الصعوبات التي تواجه المستثمرات والعقبات التي تقف أمامهن، خاصة في بعض الجهات الحكومية ومنها وزارة العمل.
وتتابع: لو دخلت السيدات مجال التطوير العقاري سيحدثن نقلة نوعية في قطاع المباني والفيلل، فالغش الذي يعاني منه هذا القطاع سينخفض كثيرا وستظهر مبان بتصاميم جديدة ولمسات جميلة، تختلف كليا عن الموجود حاليا.
وتطالب ميساء النعمان بتشديد الرقابة على ما يعرض حاليا في السوق من فيلل مغشوشة تباع بنحو 1.8 مليون ريال، وبعد 6 أشهر تظهر عيوب البناء المخفية التي لا يستطيع المشتري العادي اكتشافها قبل إتمام البيع، لذا يجب إخضاع هذه المباني لمواصفات محددة مسبقا من الأمانة، على ألا يتم إيصال التيار الكهربائي إليها إلا بعد الكشف عليها والتأكد من استكمالها جميع المواصفات التي خضعت لها، فمعظم الذين يشترون هذه المباني يقترضون أموالها من البنوك ويتكبدون ديونا كبيرة من أجل الحصول على مسكن.
وأكدت أن قرار الـ30% من قيمة التمويل العقاري الذي أصدرته مؤسسة النقد يمثل حماية للبنوك وليس للمواطنين الذين يرغبون في الحصول على مساكن، فلو حدث للمقترض أي عجز في مواصلة دفع الأقساط، يكون قد دفع مسبقا 30% من قيمة العقار، وبذلك تستطيع البنوك تحمل التأخير دون خسائر عليها.

ظاهرة الغش أكبر معاناة

وأشارت ميساء إلى أن السوق تعاني من ظاهرة الغش بشكل غير طبيعي بسبب كثرة الدخلاء عليه، خاصة من المقيمين الذين يديرون معظم المكاتب العقارية، رغم وجود قرار قديم يمنعهم من العمل بالعقار، وهناك شباب لديهم الكفاءة والحماس، عملوا في العقار ثم أصيبوا بإحباط وتركوا السوق لغير المؤهلين بسبب تحميلهم أكثر من طاقتهم وفقدهم الأمن الوظيفي.
وأضافت أن إعادة المصداقية للسوق لا تتم إلا بتصفيته من الدخلاء والسماسرة وتجار الشنطة الذين لا هم لهم إلا الكسب المادي بغض النظر عن الوسيلة، وللأسف غالبيتهم من المقيمين، بالإضافة إلى إيجاد أنظمة قوية، فغياب المصداقية يعود إلى غياب العقوبات والرقابة، وغياب الحماية للعقاريين.
وأكدت النعمان أن ارتفاع أسعار السوق خلال السنوات الماضية كان بسبب كثرة المضاربات، ومحاولة تعويض خسائر سوق الأسهم، بالإضافة إلى عدم التوازن بين العرض والطلب، اضافة لعدم توفر مساكن للمواطنين، إذيسكن نحو 60% منهم بالإيجار، ولو انعكست النسبة لوجدنا الأسعار مستقرة وفي متناول الجميع، وستقتصر الارتفاعات على الاستثمارات التجارية فقط.
وهناك سبب رئيس يتعلق بأمانة جدة التي عطلت كثيرا من المخططات السكنية ورفضت العمل عليها، وبعضها محتجز في الأمانة منذ 6 سنوات، وهناك مخططات لم تصلها الكهرباء والسفلتة والرصف منذ 20 عاما بسبب روتين الأمانة الذي قتل كثيرا من الحلول لأزمة ارتفاع الأسعار.