الهدم الذي شهدناه في مكة المكرمة في السنوات الأخيرة والذي تجاوز مساحات توسعة المسجد الحرام ومرافقه بشكل كبير ينطوي على عدد من المخاطر والخسائر الجمة التي يغفل عنها البعض ويتجاهلها البعض الآخر.
وحديثي اليوم خاص بآثار الهدميات التي تجاوزت الحاجة لتوسعة المسجد الحرام ومرافقه.
.
فمن الخسائر التي تنتج عن الهدمات التي أتت على أحياء بأكملها الخسائر الاجتماعية التي تتمثل في تفكيك النسيج الاجتماعي وقطع أواصر المجتمع، فالأحياء القديمة في مكة والمدينة التي هدمت كانت تتسم بالترابط والتراحم والتعاون والمسامحة ومساعدة المحتاج والوقوف معه في حالات الشدة، وغيرها من القيم الإيجابية المهمة في تماسك المجتمع واستمراره.
وما أحوجنا إلى المحافظة على مثل هذه السمات والقيم ونشرها في المجتمع بدلا من إضعافها؛ فقد بتنا نشكو من التفكك الأسري وتبعاته على الأسرة والمجتمع ونسعى إلى ترابطها من جديد، فما بالنا نذهب بأيدينا إلى تفكيك المجتمع الحاضن لهذه الأسر وللقيم الاجتماعية الإيجابية.
.
وهناك الخسائر الإنسانية المتمثلة في فقدان حممية المدن القديمة وصداقتها للإنسان، واستبدالها بمدن حديثة بلا روح تغيب عنها المبادرات الفردية ويغيب عنها الأهالي لتصبح الحياة فيها بلا طعم ولا رائحة.
.
وهناك بالطبع خسائر مالية كبرى للهدميات تعد بالمليارات، إذ تم تحويل عشرات الآلاف من المباني إلى تراب ينقل إلى المرمى.
.
وبذلك نحن نرمي ملياراتنا بعد أن ندوسها بجنازير البلدوزرات.
.
وهناك خسائر عوائد تلك المباني التي كانت تعود على الأهالي، وكثير منهم يعدون من متوسطي الحال يعيشون على ما يسوقه الله لهم مع حجاج بيته الحرام فانقطعت عنهم تلك العوائد أو جزء كبير منها بسبب هدم منازلهم القريبة من المسجد الحرام.
.
وهناك الخسائر التجارية وهي الأخطر والأهم والأعم ضررا على أهالي المكتين، والمتمثلة في إزالة الأسواق التجارية القائمة منذ مئات السنين حول الحرمين، التي كان يشغلها ويتكسب منها أهالي المدينتين المقدستين وهم من يعرفون في أدبيات التنمية بالسكان المحليين، ولا زلت أتذكر كبار العوائل التجارية وهم في محلاتهم في أسواق المدعى وشارع فيصل وزقاق الصوغ والوزير وملائكة.
.
إلخ، هم وأولادهم يمارسون تجارتهم بأنفسهم؛ وأتأمل المشهد بعد كل إزالة لأي من الأسواق وهو تشتت التجار في أسواق متباعدة وضعف تجارتهم وإفلاس بعضهم وخروجهم من السوق.
وبمرور الوقت وفي غفلة من جميع الجهات المعنية بالتجارة والتنمية تحولت التجارة من هؤلاء السكان المحليين إلى غيرهم من الوافدين والشركات الكبرى التي معظمها وكالات لشركات وأسماء أجنبية.
.
وفي هذا إضرار بالغ بالسكان المحليين، وهو ما يتعارض مع جملة مفاهيم التنمية المستدامة والموجهة في الأصل لخدمة السكان المحليين لأي مدينة، وخدمة مواطني أي دولة.
ومن غير مقبول في أي مدينة وفي أي دولة من مدن العالم أن يتم التمكين للأجنبي على حساب المحلي، بل العكس هو الصحيح، وحتى عندما يتم إفساح المجال للأجنبي فيكون من باب سد نقص ما أو حاجة ما أو تحقيق تكامل ما أو تبادلا للمنافع معه، أما التمكين له على حساب المواطن فيُعد عبثا واستهتارا بحقوق المواطن يصل في حال تعمد جهة أو مسؤول أو تغافلهما عنه إلى درجة الخيانة للأمانة.
.
وهناك الخسائر الاقتصادية والتي تجمل معظم ما سبق ذكره والمتمثلة في استنزاف الاقتصاد المحلي تحت عنوان الاستثمار الأجنبي لصالح الاقتصادات الخارجية، خاصة وأن جل الفرص الوظيفية التي يخلقها المستثمر الأجنبي ذاهبة لغير المواطنين.
.
بقي أن أقول: إن مسؤولية الدولة تجاه شعبها أعظم منها تجاه الزوار، والملاحظ أن معظم الجهات المعنية وفي خضم شعارات خدمة المسلمين تعمل عكس ذلك، إذ تغفل مصالح المواطن والساكن المحلي وتركز أعمالها ومشاريعها على خدمة الزوار.
.
وأما الحديث عن بدائل الهدم فسيكون موضوع مقال قادم بإذن الله.
.