ربما أصلح مدخل لهذه المقالة هو قصّة (فنتازية) حدثت مع أحد الشباب القائمين على أحد الملتقيات الخيرية، حيث شاب بوجود واعظ شهير (سوبر ستار) في منطقة قريبة من المنطقة التي يُشرف على فعالياتها، اعتبرها فرصة مواتية للتواصل مع الواعظ كي يكون ضيف إحدى فقرات الملتقى، لا سيّما وأنه قريب من المنطقة، والدرس الذي سيلقيه لن يتجاوز الساعة، ولن يُربك برنامج الشيخ ومواعيده
كان هاجسه هو الوقت فقط، والخوف من ارتباطات الشيخ الذي سيفرح بهذا العمل (الدعوي)، لكن جرت الرياح بما لا تشتهي سفن التفاؤل، حيث طلب الشيخ في أول اتصال مبلغا وقدره (خمسون ألف ريال) مع تأمين السكن
ارتبك صاحبنا، واستأذن بقطع المكالمة لأمر مهم مع وعد بتكرار الاتصال، كان في حاجة لوقت حتى يستوعب جديّة الطلب، وفعلاً أعاد الاتصال ووجد على الجهة الأُخرى مدير أعمال الشيخ -كما عرّف بنفسه– وأخبر صاحبنا (بالتسعيرة)، وبعد محاولات وشرح الأمر لمدير الأعمال بأن الملتقى تطوعي ولا يوجد داعمون، قَبِل بتخفيض المبلغ إلى (خمسة وثلاثين ألف ريال)، وهذا ما لم يحصل بالطبع ولم تقم الفعالية
هذه القصة ليست نادرة الحدوث، بل يعرفها جميع من يتعاملون مع بعض الوعّاظ الذين (يكنزون) المال الذي حصلوا عليه من التحذير منه، والكنز في اللغة هو المال الزائد عن حاجة الفرد، فكان أبو ذر الغفاري رضي الله عنه يرى بأن المسلم (لا يحق له) أن يبقي في حوزته مالاً يزيد عن حاجته، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول في أواخر حياته: (لو استقبلت من عمري ما استدبرت لأخذت فضول أموال الأغنياء فقسمتها على فقراء المهاجرين)، وروي عن علي رضي الله عنه أنه يقول: (ما دون أربعة آلاف درهم نفقة، وما فوقها كنز)
أنقل هذه الأقوال ليس بغرض وعظ الوعّاظ، لكن علّهم يدركون أن الفقير أو المسكين لن يغيّره الوعظ وحده، لا سيّما عندما يكون الوعظ صادرا من أثرياء ليسوا بحاجة لأن يغشوا أو يكذبوا ليحصلوا على المال، يقول علي الوردي: (غيّر ظروف الناس، تتغير بذلك أخلاقهم)
وليفكروا بردة فعل البسطاء الذين يستمعون للواعظ لو علموا أنه يعظهم بمقابل مادي!أنا هُنا لا أعني أنه ينبغي على الواعظ أن يكون من الطبقة المُعدمة، ولم أسأل يوماً –ولا ينبغي أن ألمّح حتى– عن عدم وجود واعظ يُشبهنا له نفس الملامح والسُمرة ورائحة العرق وليس العود الكمبودي الشهير، واعظ لا يذكرنا بأن جهنم وبئس المصير للذين يكنزون الذهب والفضّة، فنشعر أنه يتكلم عن آخرين لا يشبهوننا، ويحذرنا من أشياء لا نملكها بالأساس، يُصر على تذكيرنا بأن الدنيا «فانية» والمال «وسخ دنيا»، ويتجاوز حقيقة أنه من «زينة الحياة الدنيا»، حتى يُخيّل لنا أنه يخاف علينا من الغنى أكثر مما يخاف علينا الفقر، ونحن بدورنا أصبحنا أو نكاد نقتنع بأن الوعظ من اختصاص الأغنياء

رغم أنهم يكررون دائماً أن العلماء والأئمة الأجلاء رحلوا من هذه الدنيا وهم معدمون لا يملكون ثمن أكفانهم، ولا ندري هل يريدون منا أن نتمسك بفقرنا كي نصبح مثل العلماء الذين يقرؤون علينا كتبهم بعد أن يئسوا من أن يشبهوهم، وكأنهم يقولون أنت يكفيك أن تكون فقيراً لتنال خصلة من خصال العلماء، فيما نحن حزنا على كل خصائص العلماء ولا يضيرنا أن تخلينا عن خصلة الفقر وحدها إكراماً منّا للعامة!وكي لا يجنح بنا الاستطراد لمزيد من التيه في مفازات اللغة وأحراشها قبل أن نطلق السؤال: وما العلاقة بين الوعظ والمال في العصر الحديث؟وللإجابة عن سؤال كهذا يجب أولاً أن نُجيب عن سؤال: كيف تصبح واعظاً؟

وللإجابة عن هذا السؤال نقول فقط في «العزيمة»

أي الإصرار على أن تكون كذلك دون أن يتطلب ذلك مؤهلاً أو جهداً سوى «الالتزام» بالشكل العام لـ(شخصيّة المطوّع)، أي ما يطلق عليه المثقفون (التمظهر)، وبهذا تكون بدأت الخطوة الأولى، تليها دورة قصيرة في كيفية التأثير بطبقات الصوت التي يمكن اكتسابها من خلال السماع المتكرر لأشرطة الكاسيت (الكاسيت تحديداً لسبب خفي يجهله العامة)، ومن ثم متابعة ما تيسر من القنوات (الإسلامية) لمعرفة طرق لغة الجسد أثناء الوعظ، وحفظ كلمات ومصطلحات يمكن تكرارها بكل المناسبات أو حتى بدون مناسبة كـ(حدثني أحدهم، رويبضة، الثغور، الريبلارية -تُنطق هكذا-، التغريبيون –أيضاً تُنطق هكذا حتى لو كانت مفعولا به) وغيرها من المفردات الصالحة لكل زمان ومكان وسياق، والآن بعد الحصول على هذه المؤهلات يكون الواعظ على مقربة من معرفة كنه السؤال الأول (علاقة الواعظ بالمال)، فتنهال (المكافآت) من حيث احتسب، مكافأة إمامة، ومكافأة تعاون مع جمعية خيرية! ومكافأة تحفيظ قرآن، بالإضافة إلى (خارج دوام) موسمي كعقد القران، أو (ثابت) كالرقية والنفث في الماء، وهذه بالذات تحتاج لوقفة، فلم يقل أحدهم يوماً أن رقية المسلم لنفسه قد تكون أكثر نفعاً من رقية الآخرين له، ولم يتكرم أحدهم مشكوراً بتخصيص برنامج تلفزيوني لشرح كيف يرقى المسلم بنفسه، بل إنهم لا يتورعون عن توجيه الناس، وعلى (الهوى) مباشرة بنصح المتصلين بأن (يذهبوا) لشيخ كي يقرأ عليهم، والجميع يحذروننا من (المال)! fheed
[email protected]