بالأمس كنت مع بعض الأصدقاء، فدار الحديث حول عقوبة الزوج بغرامة قدرها خمسون ألف ريال إذا قام بضرب زوجته! وفي الحقيقة لم يكن هناك من يؤيد هذه العقوبة بصفة عامة، وهناك من كان اعتراضه على مجرد الأخذ بالعقوبة على إطلاقها ويرى ضرورة تقييدها وربطها بالضوابط الشرعية، فلا تكون إلا حين يتعدى الزوج حدود التأديب.
والعقوبة على إطلاقها تؤيد تلك الآراء التي ترددت في فترة سابقة حينما خرج علينا بعض أصحاب الأقلام بتفسيرات عجيبة وغريبة حول آية النشوز الوارد بها ضرب الزوجة، فذهبوا إلى تفسيرات ومعان أقل ما يقال عنها إنها مضحكة مبكية، ولا نعلم الدافع لهذا التهور في تفسير آيات الله دون تورع أو علم.
والقصد من ذلك نفي حق الزوج في تأديب الزوجة، فأتوا بقول لم يرد في كتاب ولا سنة ولا عن أي عالم يؤخذ برأيه، ليأتوا بتلك التفسيرات الغريبة والتأويلات العجيبة! فقالوا: إن الضرب الوارد في الآية معناه الترحال والسفر في الأرض وفراق سكن الزوجة، كما جاء في قول الله تعالى: [علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله] وهذا غلو في الرأي، وتفسير بغير دليل، ثم قالوا: لو أراد الله معنى الضرب المادي لذكر الجلد! وتغافلوا عن حقيقة في القرآن وهي أن الله عز وجل ذكر الجلد في معرض عقوبة حد القذف وحد الزنا، بينما ذكر الضرب لتأديب الزوجة الناشز، فالأصل في جواز ضرب الزوجة تأديبا لا يحتاج إلى اجتهاد فقد ورد النص به في القرآن الكريم فقد قال الله تعالى: [واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا]، وفي تحلة يمين سيدنا أيوب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ورد بكلمة لا تدل على معنى غير الضرب المحسوس المعروف.
فقد قال الله عز وجل [وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث]، وهذا دليل آخر على حق الزوج في ضرب الزوجة تأديبا، إذ لو كان لا يجوز الضرب لما علمه الله كيف يبر بيمينه، والأدلة النقلية من القرآن الكريم والسنة النبوية تدل بوضوح وجلاء على حق الزوج في تأديب الزوجة، كما أن القرائن والأدلة العقلية تؤكد هذا الحق.
ومن وجه آخر فإن الثابت شرعا أن الظلم والاعتداء محرم على العباد، فلا الزوج يجوز له ظلم زوجته والتعدي عليها والتعسف تحت ذريعة التأديب والقوامة، ولا الزوجة يحق لها أن تبحث عن إلحاق الضرر بالزوج بذريعة أنها الجانب الأضعف ولا بد أن تقف في وجه الزوج لردعه ومواجهته دون حق.
ويتبين أن الضرب المأمور به شرعا يجب ألا يكون فيه مظهر الظلم ولا بد أن يتوفر فيه أمور هي: أن يسبقه وعظ الزوجة وهجرها في الفراش، وألا يكون شديدا مبرحا، فلا يتعدى درجة التأديب والتأنيب، وأن يتجنب الضرب في الوجه، ويكتفي بالقدر المقصود الذي تصلح به الزوجة فتبدي طاعتها لزوجها، ولا يكرر الضرب إذا حصل المقصود.
وحقوق المرأة في حسن معاملة الزوج لها ومعاشرتها بالمعروف نص القرآن على ذلك فقال الله عز وجل: [ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم].
وبكل تأكيد فإن الزوج حينما يضرب الزوجة بلا مسوغ فإن ذلك من قبيل الاعتداء والظلم الذي لا يجوز بصفة عامة، فالضرب لا ينهض في مواجهة الزوجة إلا حين يكون هناك حالات يسوغ فيها مثل هذا الفعل، ومن تلك الحالات نشوز المرأة مع مراعاة الضوابط الشرعية في ذلك، فالنصوص النقلية والعقلية وإجماع الفقهاء تدل على أن طاعة الزوجة لزوجها واجب حتمي، فإن خرجت عن دائرة هذه الطاعة وتمردت وأبدت العصيان لزوجها بلا مسوغ، فقد شرع الله ـ جل وعلا ـ طرق العلاج على ترتيب خاص لا ينبغي تجاوزه كما جاء في آية النشوز، دون اعتداء أو غلو، فقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: [ألا واستوصوا بالنساء خيرا فإنما هن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضربا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا، ألا إن لكم على نسائكم حقا ولنسائكم عليكم حقا].
وعن عبدالله بن عمر: قال النبي صلى الله عليه وسلم: [لا تضربوا إماء الله] فجاء عمر رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «ذئرت النساء على أزواجهن، فرخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في ضربهن، فأطاف بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء كثير يشتكين أزواجهن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لقد أطاف بآل محمد نساء كثير يشتكين من أزواجهن ليس أولئك بخياركم]، وعن عمر رضي الله عنه أنه روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: [لا تسأل الرجل فيما ضرب امرأته]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح].
وهذه النصوص تدل على جواز الضرب، ومن هنا فليس من المتصور شرعا ولا عقلا أن يكون تطبيق هذه العقوبة يشمل الضرب الجائز شرعا الذي لا يصل إلى الظلم والاعتداء، وإنما هو مقرر لكل من ظلم زوجته وخرج من دائرة التأديب إلى ساحة الانتقام.
تأديب الزوجة بين المشروعية وعقوبة الخمسين ألفا!
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
