من تأمل علاقته صلى الله عليه وسلم بالشباب وكيف استثمر هذه الطاقة الهائلة التي يمتلئون بها وكيف منحها ما تحتاج إليه من رعاية وتوجيه وتشجيع يرى كم نحن بعيدون عن هذا المنهج النبوي الرائع في فهم خصائص هذه المرحلة العمرية وطريقة توجيهها.

ومن المعلوم لدارسي السيرة النبوية أن أكثر من آمن به صلى الله عليه وسلم في مبتدأ الأمر كانوا شبابا، يجمعهم الإقبال والتحرر من أسر العادات ويحركهم الشغف الطاهر بالبحث عن الحق وتكسوهم الحرية والقدرة على التغيير والتضحية في سبيل ذلك، فكان ذلك الجيل من الشباب بحق إحدى فرائد التأريخ التي لن تتكرر، وقد بقوا بعده عليه الصلاة والسلام زمنا طويلا حتى ترسخ الإسلام وثبت في الأرض.
وقد كان الخيط الدقيق في علاقته صلى الله عليه وسلم بهؤلاء الشباب المؤمن المقبل هو ملاحظته لمواطن تميزهم واستثمار ذلك لخدمة الإسلام والمسلمين إذ يعز عليك أن تجد أحدا ممن صحبه عليه الصلاة والسلام وكان قريبا منه إلا وهو يتحرك بتوجيه نبوي في الدائرة المناسبة له فعلا، فكان من هؤلاء الشباب من اشتغل بالجهاد ومجالدة الأعداء ومنهم من كلف بمهمات خاصة كنشر الدعوة أو القضاء أو جمع الزكاة أو الترجمة أو ولاية الأمر في المدينة عند الخروج للغزو أو في الشعر أو الخطابة.. وغير ذلك.
وقد كان صلى الله عليه وسلم يوجه كل واحد منهم إلى ما يرى مناسبته له بصورة مباشرة أحيانا وبصورة غير مباشرة أحيانا أخرى حتى تكتمل مهارته ويستقر أمره لتصبح التكليفات بعد ذلك محددة واضحة، ومن ذلك وهو كثير أنه لاحظ قدرة زيد بن ثابت الأنصاري رضى الله عنه على الحفظ وكان قد جيء به ليسمع منه صلى الله عليه وسلم سبع عشرة سورة كان قد حفظها وعمره حينها دون الرابعة عشرة فأعجبه صلى الله عليه وسلم ذلك ودعا له ولأهله ثم سأله إن كان يعرف لغة يهود فقال لا فأمره صلى الله عليه وسلم أن يتعلمها ليكون مترجما لما بينه وبين يهود من كتابات فتعلمها وحذقها في خمس عشرة ليلة، ثم واصل في هذا الباب فتعلم خمس لغات أخرى هي الفارسية والرومية والحبشية والقبطية والسريانية وكان بذلك أمين سر النبي صلى الله عليه وسلم في مكاتباته الصادرة والواردة، كما أنه لحظ عقليته الحسابية فأمره بالإحصاء في غزوة الطائف وحنين وتولي القسمة بعد ذلك، وهذه القدرة هي التي أهلته من جانب آخر ليكون أفرض الأمة أي أعلمها بالفرائض، هذا نموذج واحد من عشرات النماذج، فهل تنبهنا بحق لهذا المعنى.