قبل أيام شاهدت شيخا مُسِنا منسوبا للعلم، يتحدث في برنامج فضائي عن الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله وعن دعوته، وقد نَسَب له منكرًا من القول وزورا. ونسب له بعض الأقوال التي لا تصدر من مسلم يعظم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

والمذيع يسمع ويستعجب في حفلةِ تشويهٍ مقصودة، ومعهما بعض الضيوف، دون أن يوثقوا كلمةً واحدة مما يزعمون! 
تذكرت هذا المشهد وأنا أنظر في كراسي العلم المبثوثة في الحرم المدني، وتذكرت حجم التشويه والافتراء الذي تتولى كبره جهات منحرفة يسوؤها نشر التوحيد وتخليصه من الخرافات والشركيات. 
إننا على يأس من انقطاع هذه الخصومة؛ ولو كان أحد سيسلم من الخصومة والعداوة لسلم منها أنبياء الله ورسله، وقد قال الله عنهم: «وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْض زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا * وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوه ُ* فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112)» [سورة الأنعام]. ليس الهدف إذن أن نقطع الخصومة بالكلية، وأن نكسب الخصوم قاطبة، فمثل هذا لا سبيل إليه ولا يتأتّى لأحد في هذه الدنيا. إنما المقصود العناية بالجمهور المحايد الذي يسمع ويتأثر، وقد ينصرف عن الحق جراء تقصيرنا وأخطائنا. كثير من هذا الجمهور يأتي حاجا أو معتمرا أو مقيما، وربما ساعدناه على معرفة الحق والتمسك به، وربما أكَّدنا - من حيث لا نشعر- ما يقوله عنا المغرضون من التشدد والسطحية والجفاء والغلظة. 
إن كراسي العلم في الحرمين الشريفين فرصة عظيمة في بيان الحق، ونشر العلم، وهداية الناس لما يحبه الله ويرضاه. كرسي العلم في الحرمين هو لأهل الرسوخ في العلم، والاعتدال في النهج، واللين والجمال في الأسلوب والتأثير. ومع تقديرنا لكثير من أهل العلم الذين يجلسون للعلم في هذا المكان المقدس، فإن التدريس في الحرمين ما زال بحاجة إلى اجتهاد وتطوير. 
وهناك بعض من يجلس للتعليم وهو غير جدير بهذا المكان لا في رسوخه وعلمه، ولا في اعتداله وعقله، ولا في لينه وبيانه ولفظه. وربما عزز الاتهامات بجهلة تارة، وبسوء أسلوبه تارة أخرى. وهذا مكان مقدس ليس فيه مجال للمجاملة أو التحزب، بل هو للأكفأ والأقدر. وواجبنا تجاه ديننا، وتجاه مقدساتنا، وتجاه بلادنا المحاربة من جهات مختلفة.. يجعلنا أكثر اهتماما واجتهادا في شأن منابر العلم والدرس في الحرمين الشريفين. وأن نختار لها أرسخنا علما، وأوسعنا حكمة، وأجملنا بيانا، وأكثرنا رحمة.. ما استطعنا إلى ذلك سبيلا. 
إن كثيرا من الناس يقتنع بقلبه أكثر مما يقتنع بعقله، فالرفق واللين، وجمال العبارة ولطف الأسلوب، هي التي تفتح مغاليق قلبه، وتسمح له بسماع الحجة والبرهان. 
والموضوعات المختارة في هذه المنابر يجب أن تكون لائقة بقدسية المكان، وتنوع الحاضرين. وغير مقبولٍ أن نشغل الحضور بمسائل اجتهادية ونشدد فيها على حساب الأصول والمحكمات. أو نشغل الناس بالاهتمامات المحلية أمام جمهور متنوع البلدان والاهتمامات. مقاصد القرآن والسنة، وحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم هي المناسِبة لهذا المكان المقدس. أما الاجتهادات الخاصة فلها مكان آخر غير هذا المكان.