على مدى سنوات طوال، ومنذ أن بدأ اهتمامي بالصيرفة الإسلامية فكرا وممارسة، حرصت على إجابة معظم الدعوات للحضور والمشاركة في مختلف الندوات والمؤتمرات التي تعنى بالاقتصاد في عمومه، وبالاقتصاد الإسلامي على وجه الخصوص
وكانت هذه الندوات والمحاضرات هي المعين الذي نهلت منه علما غزيرا أفاض به علينا كبار علمائنا ومشايخنا المتخصصين في مختلف أفرع الاقتصاد وضروبه
وكنت دوما أحاول تطبيق ما استطعت من تلك المعارف على الواقع المصرفي السائد، والذي كنت بحمد الله أحد مؤسسيه وممارسيه
ذلك أنني أؤمن بأن العلم الذي لا ينتفع به كمن يحرث في البحر أو ينقش على صفحة الماء
وكنت أطرح خلال هذه الملتقيات أفكاري ومرئياتي معلنا عن تطلعاتي وطموحاتي في مستقبل زاهر مشرق للاقتصاد الإسلامي خاصة وهو الاقتصاد الذي حدده خالق البشر ورب كل شيء ومليكه
والذي شرحته سنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم مؤكدة أن قانونا أو نظاما وضعه الخبير الحكيم إنما جاء من أجل خير البشر أجمعين
وها أنا اليوم وعبر هذه الزاوية الأسبوعية «السوق» أطرح أفكاري في هذا السياق على مائدة قرائي الأعزاء، الذين أعلم أن من بينهم من هو مؤمن بالاقتصاد الإسلامي ومهتم به، بعدما تأكد للجميع في أعقاب ما مر بالعالم من نكسات وأزمات مالية مدمرة وخانقة
أن نظام الله جل في علاه، هو الخير كله والأمن كله لعباد الله
الأمر الذي لفت أعناق نفر من زعماء العالم الغربي صوب هذا الاقتصاد الذي كفل له رب العباد الرواج والازدهار، إذا ما طبقت أحكامه كما نزلت، ووزنت الأمور بميزانه كما وردت
إن الاقتصاد الإسلامي – مع شديد الأسف – يكاد يكون منحصرا في أذهان البعض في تحريم الربا وفي قيام البنوك الإسلامية، ومع أهمية هذه النقطة إلا أنها لا تمثل كل الاقتصاد الإسلامي، بل ولا تمثل جوهره، وإنما هي نقطة من ضمن نقاط كثيرة وأداة من ضمن أدوات أوجدها الله سبحانه وتعالى لتتضافر مع غيرها من أدوات الاقتصاد الإسلامي لتصل إلى تحقيق هدفه
فالاقتصاد الإسلامي أو النظرية الاقتصادية الإسلامية أو نظرة الإسلام للاقتصاد تتفق في أمور مع النظريات الوضعية وتختلف عنها في أمور كثيرة، وتتميز عنها في أمور أكثر
وكيف لا تكون كذلك وهي من وضع وصنع خالق البشر، العالم والعارف بما فيه نفعهم وما فيه ضرهم
فالنظريات الوضعية واضعوها مخلوقون محدودو التفكير والقدرة، وعلى ذلك فإنه ليس بوارد إجراء مقارنة بين ما يصنعه الله وبين ما يصنعه البشر
ولكنني أحاول أن أبين فقط عمق نظرة الإسلام للاقتصاد وضحالة النظرة البشرية إليه
فعلم الاقتصاد الوضعي يتلخص في مشكلة المواءمة بين ندرة الموارد وتعدد الرغبات والاحتياجات
وحقيقة لولا الشعور بوجود هذه الندرة عند البشر لما أوجدوا علم الاقتصاد أو لما وجد عندهم
ولكن للأسف في النظريات الوضعية تناولوا هذه المشكلة تناولا ماديا بحتا، يقتصر على أن الموارد الطبيعية لا تكفي لسد احتياجات الإنسان كاملة
وهذا ليس بصحيح من خلال المنظور الإيماني المطلق، لأن الله خلق وسخر للإنسان ما في الأرض جميعا، بل إن الله تبارك وتعالى تكفل برزق كل دابة على الأرض
ولكن الله عز وجل يخبرنا عن الندرة والتي هي موضوع الاقتصاد فيقول سبحانه وتعالى: (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير)
وبعون الله في اللقاء القادم نرى معا كيف تزول هذه الندرة في حالات معينة تؤكد حكمة الله العليم وتدحض نظريات البشر حولها
أسأل الله أن يوفقنا جميعا لما يحب ويرضى إنه ولي ذلك وهو على كل شيء قدير
[email protected]
المواءمة بين ندرة الموارد وتعدد الرغبات
صالح عبدالله كامل3 دقائق للقراءة

حجم الخط
