على هامش القمة المسيحية – الإسلامية الثالثة للحوار التي عقدت في روما بين 2 و4 ديسمبر الحالي، التقى بابا الفاتيكان فرانسيس أعضاء الوفود المشاركة من جميع دول العالم.
وشاركت في أعمال هذه القمة التي دارت حول موضوع “مسيحيون ومسلمون: مؤمنون في المجتمع”، أربعة وفود، وفدان عن الديانة المسيحية (الكاثوليك والأنجليكان) ووفدان آخران عن الديانة الإسلامية (السنة والشيعة)، إضافة إلى وفود من أديان أخرى.
تباحث المؤتمرون على مدى ثلاثة أيام في سبل تعزيز العلاقات ما بين الأديان والثقافات وكيفية مواجهة الصراعات الدينية – السياسية، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط وبعض الدول الأفريقية، حيث تقع أعمال عنف غير مسبوقة في التاريخ.

رؤساء الوفود

ترأس الوفد الكاثوليكي رئيس المجلس البابوي للحوار بين الأديان الكاردينال جان لوي توران، فيما ترأس الوفد السني رئيس مجلس أمناء المعهد الملكي لدراسات الأديان في الأردن الأمير الحسن بن طلال.
أما الوفد الأنجليكاني فقد ترأسه المطران جون برايسون تشاين، فيما ترأس الوفد الشيعي آية الله مصطفى داماد، مدير قسم الدراسات الإسلامية في أكاديمية العلوم بإيران.
وقد تميز المؤتمر بالاحترام المتبادل والانفتاح والإصغاء إلى الآخر، وشكل رسالة مصالحة وسلام وأخوة بات عالمنا اليوم في أمس الحاجة لها.
ترأس القمة الثالثة الكاردينال الكاثوليكي جان لوي توران رئيس المجلس الحبري للحوار بين الأديان بالفاتيكان، أما القمة الأولى فقد عقدت في واشنطن عام 2010، والقمة الثانية في بيروت عام 2012، وسوف تنعقد القمة الرابعة في طهران عام 2016.

 

الحساسية والخوف

أكد الأمير الحسن بن طلال رئيس الوفد السني ورئيس مجلس أمناء المعهد الملكي لدراسات الأديان في العاصمة الأردنية عمان في مداخلته، على ضرورة “أن يتجاوز قبول الآخر مجرد الاعتراف بحقه في الوجود بناء علي المعتقد الديني (كما تعبر عنه الديانات الإبراهيمية) إلى الإقرار بالقيم المتأصلة في إنسانية الآخر، وينطوي ذلك أيضا على الاعتراف بمشروعية الحقيقة التي يدعيها الآخر، التي قد لا تمثل ما ندين به”.
واستطرد: لقد شعرت الأمة الإسلامية العالمية دائما باعتزاز محق جراء حمايتها للأقليات الدينية التي تعيش وتحتمي في كنفها، بيد أننا نشهد اليوم التصعيد المأساوي الجديد في محاولات المتطرفين إشعال حرب دينية من أجل استغلال الفراغ والتلاعب به لتحقيق مآرب خاصة.
إن ذلك يشكل انتهاكا فاضحا لروح الإسلام وشخصية حضارتنا المبكرة، ضد شعب وادي الإندوس والعراق القديمة.
وأضاف: لقد قطع الحوار الإسلامي المسيحي شوطا بعيدا منذ بداياته المتواضعة في مستهل الثمانينات.
لقد توصلنا إلى اعتراف أساسي للمشترك الروحي والأخلاقي لدياناتنا، على الرغم من اختلافاتنا في المصطلح اللاهوتي والطقوس، تبقي متماثلة في جوهرها: ولا سيما من حيث الإيمان بمسؤولية ومساءلة الإنسان أمام الله.
وتابع: لكن حتى الساعة، فإن لقاء العقول هذا قد انحصر أساسا في المجال الأكاديمي، وإن مزيدا من الجهود يجب أن تبذل لتشجيع تنميته على المستويات الشعبية، بين المجتمعات الإسلامية والمسيحية، وأيضا داخل هذه المجتمعات، حيث تستشري العصبيات السلبية، التي هي حقيقة في ازدياد متواصل.
إن الحدود الجغرافية الواسعة بين الإسلام والمسيحية الغربية تصبح يوما بعد يوم أقل وضوحا، إلا أن القرب المتزايد لم يبدد الحساسية والخوف الناجمين عن الشعور المبرر أو غير المبرر بعدم الأمان.
وفي غضون ذلك، فإن الإرث التاريخي للتعصب المتبادل الناتج عن الفترة الاستعمارية والهيمنة الغربية الماثلة باستمرار في عقول الناس، آخذ في ازدياد في الوقت الراهن.
ويعود من ناحية إلى الفكرة الخاطئة القائلة إن الإرهاب هو بسبب الإسلام، ومن ناحية أخرى، إلى الفجوة المستمرة في مسار التنمية.
ودعا الأمير الحسن في نهاية كلمته إلى العمل المشترك المنسق على 5 جبهات، هي:

  • 1- مناشدة الهيئات العليا في المجموعة الدولية أن تعيد تأسيس النظام الإنساني الدولي الذي اقترحته الأردن وتبنته الجمعية العمومية في 1981، مما يساعد على وضع الهموم الإنسانية في صميم السياسات الوطنية والعالمية.
  • 2- يجب توسيع نطاق القانون الإنساني الدولي بحيث يشمل “قانون السلام” المتعلق بالرفاه الإنساني. لقد تحدثنا دوما حول سبل شن الحرب، أما آن لنا أن نشن السلام ونحققه؟
  • 3- لم يستفد الجميع من مكتسبات وثمار العولمة المبنية على السوق، فنحن نطالب زعماء العالم أن يطوروا ويعززوا آليات ترتكز إلى الإيمان كالزكاة في سبيل إعانة الفقراء حول العالم، بغض النظر عن العرق أو الدين.
  • 4- علينا أن نبين لشبابنا كيف يمكنهم أن يطوروا الإحساس بالرفاه والأخوة من خلال جماعات الإيمان. وخلاف ذلك، نحن نخاطر بأن يتبنى شبابنا مواقف متطرفة في مسعاهم لإدراك معنى الحياة والأخوة والانتماء.
  • 5- في إطار تجمع أمم العالم بغية استكمال أجندة التنمية لما بعد عام 2015، فإن قوى الإيمان الضاغطة التي ما زالت قوية على امتداد العالم يجب أن تسعى متراصة من أجل ضمان الكرامة البشرية التي هي في مقدمة جميع جهود التنمية.

تأليه التكنولوجيا

يتفق المطران جون برايسون تشاين رئيس الوفد الأنجليكاني (ثامن أسقف أنجليكاني في أبرشية واشنطن)، مع معظم ما ذهب إليه الأمير الحسن بن طلال، إذ قال في مداخلته: إذا لم يحل السلام بين المسيحيين والمسلمين، فسقط السلام في الشرق الأوسط وانتفت فرصة إحلال السلام في العالم.
ويضيف: “أمام المسيحية والإسلام في الوقت الراهن فرصة ذهبية للعمل معا جنبا إلى جنب مع الحكومات والمجتمع المدني الذي يتخبط اليوم في الاضطرابات، وتستطيع الديانتان إعادة هيكلة ثقافة السلام في عالم تمزقه أعمال العنف الطائفية والتناحرات السياسية.
باستطاعة المسيحية والإسلام لا بل يجب عليهما، بناء الجسور في القرن الـ21.
ويتابع: يجب أن تكون التقاليد الدينية في المسيحية والإسلام جسر عبور يسمح لواضعي السياسات والعلماء السياسيين بالانضمام إلى رواة التاريخ البشري وصفحات الماضي، للبحث في السبيل الأفضل لتكوين الرؤية ومن ثم العمل في مواجهة أعمال العنف الطائفي القائمة على التمييز.
ورأى أن تناقص نفوذ الدين في القرن الـ21، هو نتيجة تأليه التكنولوجيا التي دائما ما تنتقص من أهمية العلاقات الشخصية واللقاء وجها لوجه مع الآخر.
لقد بتنا نؤمن في أن علم الاقتصاد والتطور العلمي والسياسة التي تنتفي عنها القيم الأخلاقية العالمية بترابطها المعقد هو السبيل إلى تحسين حياتنا وتمكيننا من اعتناق عالم سريع التغير.
ولكن جدير الفهم بأن الدين هو النسيج الوحيد القادر في القرن الـ21 على أن يعلي الوحدة على التنوع.
وطالب قادة الديانتين المسيحية والإسلام وأتباعهما بأن يجتمعوا في هذه اللحظة المحفوفة بالتحديات ليدينوا كل من سلبهم تقاليدهم الدينية ولاهوتهم وسخرها لخدمة رغباته السياسية الأنانية للسلطة والسيطرة في ظل انتهاك حقوق الإنسان العالمية، لكل قوم يسولون لأنفسهم اعتباره غير أهل لخدمة غايتهم المبطنة.
وقال تشاين: يجب أن تستمد هذه القمة بين المسيحية والإسلام قوتها من النهج الذي يعتمده العلماء والقادة الدينيون إلى مقاربة المعتقدات الدينية الشاملة للديانتين، كما يجب أن تتمكن القمة الثالثة من التأكيد على أن الحرب هي تعبير عن فشل البشر في معالجة النزاعات وحالات الاختلاف.
وأن العنف المبني على التمييز العشوائي والتعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان الدولية التي تضمن الحق في العبادة بحسب ما يراه الشخص مناسبا هو دعوة واضحة للحرية الدينية في القرن الـ21.

المبادئ العقلانية

اقترح رئيس الوفد الشيعي آية الله مصطفى داماد التمسك بالمبادئ العقلانية كأساس لفهم وتعمق القيم الدينية وتطبيقها في الحياة الاجتماعية، مما يقودنا للعيش معا بعقلانية على اختلاف عقائدنا كأتباع للديانات الإبراهيمية.
إننا جميعا نعتقد في الله الواحد الذي يرغب أن يعيش أتباعه حياة طيبة ومزدهرة وآمنة، كما نعتقد نحن المؤمنين أن الله الذي نعبده هو المعنى الحقيقي للكرامة والحب والمودة والأخوة والعدالة.
الله في جميع الكتب السماوية يشار إليه بأنه: رؤوف ودود رحمن رحيم غفور حكيم، إلى آخر هذه الصفات الجديرة بالثناء والحمد.
إن معنى التقوى الحقيقية عند المؤمنين من أتباع الديانات الإبراهيمية هي “اقتناء” هذه القيم والتمثل بالصفات الإلهية، ذلك أن عبادة الله الحقيقية لا تكون إلا وفقا لهذه المبادئ والصفات التي هي ضد “العنف”.
وتابع: إن واجبنا هو بلورة هذه المبادئ العقلانية التي هي مبادئ الأديان السماوية جميعا، التي تلخص مفهوم الكرامة الإنسانية، كما علينا أن نعتبر حقوق الإنسان خطا أحمر وهو ما يجعلنا نعترف بحقوق الآخرين أيضا وعدم انتهاكها تحت أي سبب أو ذريعة.
ويذكر هنا أن القرآن الكريم عد كرامة الإنسان مسألة إلهية لأن الله جل شأنه كرم الإنسان، وهو المبدأ الذي يقف وراء كل المبادئ والقيم الأخرى.
قال تعالى: “ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا” (الإسراء 70) صدق الله العظيم.