تصوّر لو خلت هذه الدنيا من هؤلاء الذين هم بالنسبة لنا طعمها.. ولونها.. ونكهتها.. وخلطتها السّريّة، كيف يمكن أن تطاق؟

إنهم البسطاء بعمق، وعمقهم في كيميائية أرواحهم، التي تخفق.. وتهف.. وترف على حياتنا.. إنهم النداوة والطراوة التي تجعلنا نحتمل حدّة وقسوة وجفاف بعض أنماط السلوك.. هُم في رأيي «القرفة الخفيفة» التي أستطعم بها فطيرة التفاح! 
.... 
كلما أرهقني سأمي، واستبدّ بي عزوفي، وآبت هذه النوبة من الضجر، آويت بأدوائي إلى العم «حسنين»، أنادمه شاهي «العصرية» أو «لُبّة الضحى».. وهذه مصطلحات «سِتّاتيّة» درجت عليها النسوة داخل البيوت، والقاعدون أو المتقاعدون من الرّجال في فَيّات الدِّكاك، تحت الرّواشين والمشربيات المشرئبة أعناقها إلى «الهوا البحري». 
ويسألني: «جابوا العفش»؟ 
ـ «إيوه جابوه.. جابوه يا عم حسنين». 
وتتسع فتحتا أنفه، ويعبّ الهواء قبل أن يقول بارتياح: «الحمد لله إنّهم جابوه.. ها.. ومتى ينقلوا؟» 
ـ «هُمّا سكنوا عشان ينقلوا يا عم حسنين»؟ 
ويهز رأسه معقبًا: «مصيرهم ينقلوا.. الناس على سفر.. الدنيا زي تاكسي الرّويس، واحد يركب وواحد ينزل!» 
لا تسألوني عفش مين إللي جابوه.. أو بيت مين إللي سكنوه، فهذا ما لا أعرفه ولا يعرفه «العم حسنين».. كل ما في الأمر أن هذه العبارة «العفش جابوه» وما يعقبها من أخذ ورد هو كلام خارج التغطية، مثل الكرة التي تُصوّب على المرمى فتعتلي «العارضة»، لكنها كلمة السِّر ومفتاح أي حديث بين تلك الشخصية الظريفة وسائر الناس. 
نحتاج إلى هؤلاء الذين وإن كانوا على هامش الحياة، لكنهم جعلوا لحياتنا معنى عميقا يخفَى على السادة العقلاء!