تمثل اتفاقية السلم والشراكة الوطنية الموقعة بعد سقوط صنعاء بيد جماعة «أنصار الله» الحوثية في 21 سبتمبر الماضي، الإطار المنظم للعملية الانتقالية في اليمن والمستندة على مخرجات الحوار الوطني والمبادرة الخليجية.
ويعد هذا الإطار نتاجا فعليا لميزان القوة الصاعدة التي تهيمن اليوم على المشهد السياسي، والمتمثلة بجماعة الحوثيين بعد سيطرتها على صنعاء وتمددها لمعظم المحافظات الشمالية.
قوى النفوذ الجديدة
وبغض النظر عن أسباب سقوط العاصمة والجهات المشاركة، أو التي غضت الطرف، إلا أن واقع الحال يؤكد تغير معادلة توازن قوى النفوذ القبلي والعسكري والسياسي في اليمن، وصعود نجم الحوثيين كقوة نفوذ جديدة.
وتسعى هذه القوة لتنفيذ اتفاق الشراكة عبر سياسة الأمر الواقع وتحت مقولة «من امتلك القوة امتلك القرار».
مقابل ذلك تراجع النفوذ السياسي للرئيس السابق علي عبدالله صالح من المركز الأول إلى الثاني، مكتفيا بتربعه على رئاسة حزب المؤتمر الشعبي العام، ونجح في إبعاد الرئيس الحالي عبدربه منصور هادي من الحزب استنادا على قوة ونفوذ مؤسسة الحرس الجمهوري الذي كان يديرها نجله أحمد ولا تزال تدين له بالولاء.
أما القوة الثالثة فتتمثل بالرئيس هادي المستند على دعم بعض قوى الجنوب والدعم المحلي والإقليمي والدولي الذي يحظى به، خصوصا بعد تقليم أظافر صالح بقرار العقوبات الدولية، وانحسار النفوذ القبلي والعسكري المتمثل بأولاد الأحمر، واللواء علي محسن الأحمر قائد الفرقة أولى مدرع.
والقوة الرابعة تتمثل في الحراك الجنوبي الذي اشتد عوده، وبات مصرا على الانفصال عن الشمال، وإن اتخذ الوسائل السلمية طريقا إلى ذلك.
والقوة الخامسة التي بدأت تظهر على السطح، تمثل في تحالف قبائل مأرب، والحراك التهامي، إضافة إلى تنظيم القاعدة.
وقوى النفوذ الجديدة لا تزال تحت التجربة، ونتائج البراهين قائمة على تنفيذ اتفاق السلم والشراكة المستند على مخرجات الحوار الوطني وتحسن الوضع الاقتصادي.
تحديات التنفيذ
تواجه العملية الانتقالية في اليمن تحديات لتنفيذ اتفاقية السلم والشراكة على أكثر من صعيد، في مقدمتها دمج مليشيات الحوثي في الأمن والمقدرة بعشرات الآلاف.
ومطالب قبائل مأرب بدمج أعداد مشابهة بضغط الحاجة لاستمرار ضخ النفط والكهرباء.
وأخرى للحراك التهامي وبالمثل قد تكون مطالب للحراك الجنوبي كضرورة ملحة لاستمرار الوحدة مع أبناء الجنوب.
شراكة مع المجتمع
الدكتور ياسين سعيد نعمان مستشار رئيس الجمهورية والأمين العام للحزب الاشتراكي يقول إن العملية السياسية حاليا تقريبا معطلة، وعلينا أن نفهم الشراكة الوطنية بأنها شراكة مع المجتمع بمختلف أطيافه وليس شراكة بين الأحزاب والقوى السياسية فقط وإلا ستتحول إلى تقاسم بين القوى السياسية على حساب مكونات المجتمع.
السلم وقوة السلاح
يقول الدكتور مجاهد اليتيم وكيل وزارة الثقافة لـ»مكة» إن اتفاق السلم والشراكة انبثق من مخرجات مؤتمر الحوار الوطني التي تجرم امتلاك السلاح لغير الدولة، ونزع سلاح المليشيات.
لكن واقع الحال يفرض نفسه من خلال توسع وسيطرة جماعة الحوثي واقتحامها المحافظات تحت قوة السلاح ما جعل خصومهم السياسيين يأتون إليهم صاغرين.
وهذا ما تم باتفاق الحوثيين والإصلاحيين، وبالتالي لا يستقيم الجمع بين السلم وقوة السلاح، ولا يمكن أن تبنى شراكة وطنية إلا في ظل مجتمع آمن خال من السلاح.
انقلاب على المخرجات
أما الكاتب والمحلل السياسي علي العماري فيقول إنه من المعروف أن أي شراكة حقيقية بين مختلف القوى المتصارعة لا تقوم على لغة العنف وقوة السلاح، إنما بواسطة الحوار واتباع الوسائل السلمية لحل الخلافات.
ويرى العماري أن ما يسمى اتفاق السلم والشراكة فرض بالقوة وبمساعدة أطراف عديدة، ويشكل انقلابا على مخرجات الحوار الوطني والانقضاض على مشروع الدولة.
جدل كبير
لذلك فإن التعهدات في الملحق الأمني في اتفاق الشراكة ستظل محل جدل كبير، خصوصا أن جماعة الحوثي تطالب باستيعاب المليشيات التابعة لها في الجيش والأمن، ويبلغ تعدادها ٩٠ ألفا منهم ١٨ ألفا قتلى وجرحى، وهذا الأمر لقي قبولا حذرا من هادي ووزير دفاعه الجديد ورفضاه من مكونات أخرى.
ويحذر مراقبون من أن استيعاب مليشيات الحوثي في الجيش سيعد سابقة خطيرة وسيضعف الدولة، وسيتسبب للمؤسسات العسكرية مزيدا من التمزيق فضلا عن إنهاك ميزانية الدولة.
ولهذا، فإن دمج المليشيات المسلحة في الأجهزة الأمنية سيعمل على تغذية الطابع المليشياوي والطائفي، ويعمل على إيجاد شرخ عسكري لأن الجيش ينبغي أن يكون ولاؤه للوطن، وليس طائفيا.
بنعمر واتفاق السلم والشراكة
ولهذا حث مساعد الأمين العام للأمم المتحدة ومستشاره الخاص لشؤون اليمن جمال بنعمر، كافة الأطراف اليمنية على الإسراع بتنفيذ بنود اتفاق السلم والشراكة الوطنية، وذلك خلال اللقاءات التي شملت قيادات الأحزاب اليمنية بما فيها جماعة الحوثي.
واستعرض بنعمر تجارب دول أخرى في نزع سلاح المليشيات وإدماجها في المؤسسات الأمنية والعسكرية.

