غدت السودانية أبرار الهادي التي باتت تعرف بـ »مريم يحيى« قديسة في الولايات المتحدة خاصة والعالم المسيحي عامة، لا سيما بعد أن قابلت البابا ووصلت إلى الأراضي الأمريكية، في أعقاب حكم صدر بإعدامها بالخرطوم على خلفية قضية ردتها عن الإسلام بعد عدم قدرتها على إثبات أنها »مريم« أو دحض دفوعات أسرتها التي قامت بمقاضاتها. إلا أن محكمة عليا قامت لاحقا بإطلاق سراحها فيما بدا كتسوية بعد ضغوط دبلوماسية وإعلامية.

حقائق وأرقام

مثلت قضية أبرار أو «مريم» ذروة التسليط الإعلامي على عمليات تنصير المسلمين في السودان. وعلى الرغم من عدم وجود أرقام دقيقة عن حجمها، إلا أن ما تم الكشف عنه يشير إلى أن الرقم يقدر بالمئات.
ويشير أستاذ علوم الأديان بجامعة أم درمان الإسلامية البروفيسر جمال تبيدي لـ «مكة»، إلى أن عدد السوادنيين المتنصرين يتجاوز المئات، وربما يتعدون الآلاف، خصوصا أن قلة منهم يجهرون بارتدادهم عن الإسلام، ولكن كثيرين يخفون الأمر حتى عن أسرهم.
من جانبه، يقول مدير المركز الإسلامي للدراسات المقارنة عمار صالح لـ «مكة»: من الصعب الحديث عن أرقام السودانيين الذين تم تنصيرهم، ولكن نحن ومن خلال المركز استقبلنا خلال 19 عاما، نحو 105 حالات، ولكن من المرجح أن تكون الحقيقة أكبر من هذه الأرقام، إذ إن هناك من لم نعلم بهم أو لم نجلس معهم، كما أن الكنائس لا تعلن عن أرقام من نصرتهم.

كسر الحاجز

ويشير مدير المركز الإسلامي للدراسات المقارنة الشيخ عمار صالح إلى أن عمليات التنصير تتم عبر مرحلتين:
1 - تقوم بتهيئة التربة وكسر الحاجز عبر عناصر مسيحية سودانية.
2 - تتم عبر إثارة الشبهات
وهدم الإسلام بداخل المرء وهذه تتم عبر عناصر أجنبية.
ويلفت عمار صالح إلى أن هناك عدة أسباب تعزز من عمليات التنصير، أبرزها الصراع بين الجماعات الإسلامية، وكسر عقيدة الولاء والبراء، وضعف مناهج التربية الإسلامية في المدراس.

مفعول عكسي

ويمضي صالح في حديثه ويقول إن بعض الكنائس تستخدم السحر في التنصير، ويروي قصة قابلته، بطلتها طالبة منقبة ومن أسرة متدينة ووالدها داعية معروف، ويقول: تعرفت تلك الطالبة على زميلاتها الأقباط في الجامعة، ولأنها من أسرة متدينة وأسرة تدعو إلى الإسلام حاولت أن تقنعهن بالدخول إلى الإسلام، لكن عندما قاربن على الاقتناع بالإسلام تغير الحال، وأصبحت الطالبة تؤمن بدينهن لدرجة أنها وشمت الصليب على يديها، لكن أسرتها لم تلاحظ أي تغير عليها سواء في صلاتها أو أداء بقية الفروض، لكن إحدى قريباتها لاحظت تلك التغيرات أثناء مناقشتها، وبدأت تلاحظ تغير نظراتها، إذ أصبحت غريبة وتؤكد أنها على غير طبيعتها.
ويضيف: عندها أحضرتها إلى المركز والتقيتها، وعندما قرأت لها آيات السحر، تغيرت ملامحها هي وصديقتها،
وبدأت تردد كلمات غير واضحة، حينها تأكدت أنها مسحورة وأن المناقشة معها لن تؤدي إلى نتيجة لأنها ليست في
وعيها.

صوت السحر

ويتابع: وبالفعل بعد ذهابها لأحد الشيوخ وقراءة آيات ورقية السحر حدثت المفاجأة، وهي خروج صوت منها يؤكد أنها تناولت سحر «التعلق»، وذكر الصوت أنها بعد أن قاربت أن تقنع زميلاتها بالإسلام شعر أحد المنصرين بإحدى الكنائس أن الأمر سيكون خطيرا، فتم سحرها لتتعلق بالقساوسة المقدسين وتقتنع بهم، وكانت المفاجأة أن السحر تناولته مع مشروب غازي، وبعد هذه الرقية وبعد عدد من الجلسات «استفرغت سائلا أسود لزجا، وبعدها بدقائق عادت لطبيعتها وهي لا تدري ما حدث طيلة الفترة الماضية، ورددت الشهادتين وعادت إلى الإسلام، وكل هذا وأسرتها لا تدري حتى الآن.

 

 

التنصير الناعم

  • «إن عدم وجود أرقام حقيقية عن التنصير في السودان هو جزء من لعبة الصراع التي يديرها المسيحيون، فحتى على مستوى التعداد السكاني في السودان لا توجد إحصائية عن عدد المسيحيين.
  • فالمنصرون يستخدمون نظريات حديثة وفلسفة عميقة في تنصير المسلمين، مثل اللاهوت التحريري الذي يطبق في جبال النوبة بولاية جنوب كردفان، ودون أن يشعر المسلم يجد نفسه تحول إلى المسيحية بما يمكن أن يسمى بـ»التنصير الناعم».

الباحث والمهتم بالتنصير - د. قيصر موسى

 

 

أغطية تنصيرية

يشير مراقبون إلى أن العديد من الواجهات المدعومة من الخارج تنشط في تنصير مسلمين سودانيين، أبرزها معرض الكتاب المسيحي الذي يقام بصورة دورية في شارع القصر بوسط الخرطوم، والذي يتم فيه استجلاب مبشرين من مصر وغيرها من الدول، فضلا عن العديد من المراكز التي ترفع لافتات لتعليم اللغة الإنجليزية والحاسوب بأسعار قد تكون رمزية. ويشيرون على سبيل المثال، إلى معهد بضاحية شرق النيل بالخرطوم لتعليم اللغات وعلوم الكمبيوتر.
ويكشف أحد الذين جرت محاولة تنصيرهم، فضل الإشارة إليه بالحرف الأول من اسمه (ع) في حديثه لـ»مكة»، أنه منذ أشهر عدة التقى الأجنبي السويدي الذي يسمي نفسه (أبراهام) واسمه الحقيقي (اروين ولشيل) وهو المدير العام للمعهد، وقام أبراهام بدعوته للتعارف، ولاحقا بدأ الحديث معه عن الإيمان وكيفية أن الإنجيل دين يستوعب الأديان الأخرى، وكيف أن الإنجيل سيكون الخلاص لهم.
ويشير المواطن (ع) إلى أن أبراهام استغل أسرة يعاني أفرادها من أمراض كالصمم في منطقة شرق النيل، حيث كانوا يذهبون إلى الشيوخ من الأولياء الصحالين لمعالجتهم، وعندما سمع أبراهام قصتهم بدأ يتردد عليهم باسم معالجة الأمراض بمعجزات سيدنا عيسى المسيح، وقام بتوزيع أسطوانات (CD) فيها ترانيم مسيحية باعتبار أنها ستشفيهم بالإضافة إلى أنه قام بتوزيع كتاب الإنجيل عليهم لتلاوته حتى يتم الشفاء.
ويشير (ع) إلى أنه بدأ مع أبراهام الأحد من كل أسبوع بقراءة الإنجيل في منزل أبراهام وبعد عدة أسابيع طلب منه أبراهام إحضار عدد من أصدقائه ليتعلموا اللغة الإنجليزية منه ويتعلم اللغة العربية منهم حتى يتم لاحقا تنصيرهم إلى المسيحية، ويقول (ع) إن زوجة أبراهام كانت تقوم بنفس الأدوار مع فتيات المنطقة، وعندها فتح أبراهام معهدا للغات وتعليم الكمبيوتر ليكون غطاء للتبشير المسيحي في منطقة شرق النيل، وعلى ذات النسق قام المعهد بفتح فرعين له في مدينة دنقلا في الولاية الشمالية وآخر في مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور.

 

 

لا استهداف خارجيا

  • «ظاهرة التنصير لا ترتبط بالاستهداف الخارجي، وأن محاولة إيجاد أسباب تآمرية ترتبط بشيء من التعسف والتأويل والتفسير. لا توجد عمليات لتنصير مناطق كاملة فى السودان إلا التي لم يتوغل فيها الإسلام. وهذا النوع من التنصير يتم فى السودان وأفريقيا عبر التأثير فى القيادات الأهلية والمحلية عبر تقديم إغراءات تنموية، وهذا ليس مجهودا تبشيريا، فأحيانا يرتبط بمخططات الغرب ومشاريعهم السياسية للتمكين.
  • الواجهات الاستعمارية حريصة على عدم تنفيذ عمليات تنصير فردية فى العمق الإسلامي بشكل يهدد وجودها فى المناطق الطرفية. ومهما يكن من أمر فثمة العديد من حالات التنصير التى تمت وسط المجتمع المسلم السوداني خاصة في أوساط الشباب والشابات، وإن كانت الغلبة للجنس اللطيف عبر أفراد وجماعات تمرست فى عمليات التبشير مستغلين جهل وحاجة هؤلاء».

الكاتب الصحفي  - مكي المغربي

 

 

ظاهرة محدودة

  • «إن ظاهرة الخروج عن الإسلام محدودة جدا لم تظهر اليوم ولن تختفي غدا، وتأتي لأسباب فكرية ومالية وعاطفية (كالتحول للزواج) وقد يمتزج الأول بالثاني. السبب الغالب يكون نتاجا لتمازج الأسباب بشكل يصادف شخصا غير مقتنع بدينه».

الكاتب الصحفي والمحلل السياسي - مكي المغربي

 

 

تراجع الخطاب الدعوي

  • «المجتمع أصابه ضعف في مظاهر تدينه وجرت غلبة لأشكال التمرد خافت الصوت وسط بعض قواه. ويضيف: لا يجب أن نغفل جانب تراجع الخطاب الديني الاجتماعي في السودان.
  • رغم كثرة المساجد والأعداد الكبيرة التي ترتاد صلوات الجماعة لا سيما صلاة الجمعة، إلا أن الخطاب الدعوي تراجع بشكل لافت، وطغى عليه الاستظهار والتكرار لمقولات تراثية فقدت مفعولها الاجتماعي، وعجزت عن مخاطبة قضايا العصر، وقد يسعنا القول بأن ثمة تراجعا في مستويات التدين داخل المجتمع السوداني أعراضه بائنة في ظواهر شاذة ومعيبة بدأت تزحف علينا، في خروج أفراد وجماعات عن دينهم لدين آخر».

الكاتب والباحث - غسان علي عثمان

 

 

تشكيك المسلمين وتجميل المسيحية

  • «يتبع المنصرون في السودان عدة أساليب فيبدؤون أولا في تشكيك المسلمين في معتقداتهم، ويقومون بتجميل المسيحية ودعوتها للتسامح، كما يجدون في الفقر والجهل تربة خصبة للتنصير. والتنصير لا يتم بالنقاش، إذ لا يستطيعون إقناع أحد بالمسيحية. والمنصرون في السودان يعملون من خلال واجهات كالمدرسة الإنجيلية، كما أن المناهج التي تدرس تساعد في تغيير المعتقدات».

أستاذ علوم الأديان بجامعة أم درمان الإسلامية - البروفيسر جمال تبيدي