مناظر مؤلمة، ومشاهد محزنة، أشلاء تتناثر، وجثث تتطاير، وبعدها قلوب تنفطر وحزن مؤثر، ذلك هو باختصار مشهد ضمن مسلسل عنوانه «حوادث المعلمات».
هكذا تفقد الأسر بناتها وزوجاتها وأمهاتها، بسبب حادث مروري، نتيجة تعيين معلمات في قرى، وتركهن بدون ترتيب الذهاب لتلك الأمكنة، فصار كل من هب ودب يقوم بإيصالهن على متن سيارات تفتقد لأدنى مقومات السلامة، وقد أكل الدهر عليها وشرب. لترتسم بعد ذلك علامة تعجب كبرى تتسع إلى أن تبلغ درجة الاندهاش، ومن ضمن تلك الأسئلة المحيرة:
هل بتنا نعيش أزمة خارج نطاق المسؤولية؟ أم إن المُعلمات لا قيمة لهن!، لندلف منها إلى تساؤلات أكبر: هل يعتقد المسؤولون أن المُعلمات يُقدمن على ذلك طوعًا وحُبًّا للموت؟ ومزيد من الأسئلة التي تتصارع وتُراوح الأمكنة مُنذ زمن، ولا حلول مرضية تلوح في الأُفق!
لقد بات خبر وفاة عدد من المعلمات وإصابة أخريات بحادث مروري في الصباح الباكر، مما تعوّد المواطنون على مطالعته، دون أن يتحرك أحد لهذه الدماء التي سالت ولا زالت تسيل.
وبحسب بعض الإحصاءات فإنه خلال عام وقعت عشرات الحوادث للمعلمات في طريق الذهاب للمدرسة أو الإياب، طالت تلك الحوادث أكثر من 150 معلمة بين وفاة وإصابة. وقد كشفت دراسة أن 56% من مركبات نقل المعلمات والطالبات غير صالحة، وأن 22% منها تجاوز عمر إطاراتها أربع سنوات، فيما بلغت نسبة المركبات التي يجري لها فحص دوري 66%، وأن أسباب الحوادث أهمها ضعف الرقابة على سيارات النقل وعدم الحزم في إيقاف السيارات المخالفة لاحتياطات السلامة في نقاط التفتيش بين المدن. وأن معظم مسببات الحوادث تركزت على انفجار الإطارات والسرعة الزائدة وسوء الأحوال الجوية. وفي دراسة أخرى كشفت أن 60% من المعلمات لا يتوفر لهن بدائل نقل، وأن متوسط المسافة المقطوعة تصل إلى 90 كلم، إلى جانب أن المعلمات يدفعن رسوما لنقلهن بمتوسط 900 ريالا شهريا.
وكانت وزارة النقل والإدارة العامة للمرور قد أعلنتا قبل مدة ليست باليسيرة أنهما جلبتا 6 شركات عالمية إلى المملكة لنقل المعلمات، ولم ينفذ شيء حتى الآن في هذا الإطار.
ومن الرائع أن يتفاعل مغردون على تويتر مع ضحايا هذه الحوادث مطالبين بوقف هذه الدماء التي تسيل، في هشتاق بعنوان «#حوادث_المعلمات_إلى_متى».
لكن العجيب هو صمت وزارة التربية والتعليم تجاه كثرة الحوادث التي تقع للمعلمات، ويتمنى الكثيرون معرفة ماذا يدور في أروقتها، فهل عجزت الوزارة وبشكل تام عن الحلول؟
وقد وقع الأسبوع الماضي حادثان في المدينة المنورة ذهب ضحيتهما أربعة أنفس وأصيب عشرة، فناشد سماحة المفتي سمو وزير التربية والتعليم أن يضع حدا لهذه الحوادث، بإيجاد الحلول العاجلة، فمن غير المعقول استمرار هذا المسلسل، مبينا سماحته أن من المعلمات من تخرج من بيتها عند الثالثة صباحا ولا ترجع إليه إلا بعد العصر، وهو ما ينعكس سلبا على الأسر بشكل عام. وهنا نتساءل عن دور حقوق الإنسان الذي يشبه بعض الجهات التي لا نتاج لها ولا دور، وإلغاؤها ربما يهوّن على النفس، إذ هي تطالب وتناشد دون فعالية حقيقية وملموسة على أرض الواقع. وفي تصوري أنه يجب تشكيل لجنة حكومية عاجلة تشترك فيها جهات عدة، وفي مقدمتها وزارة النقل (وهي رسالة لوزيرها الجديد المهندس عبدالله بن عبدالرحمن المقبل) وإدارة المرور وأمن الطرق لتطبيق أنظمة ووسائل السلامة، والمعايير التي تطبق على السائقين، بما في ذلك السجل الجنائي (صحيفة السوابق)، والتأكد من خلوها من القضايا الجنائية أو تعاطي المخدرات. ويجب تطبيق معايير حازمة لسيارات النقل التي تمنح التصريح، فلا يصرّح إلا للسيارات التي تتوفر فيها كافة وسائل الأمن والسلامة؛ فقد أصبحت الحوادث المؤسفة التي تتعرض لها المعلمات، يتقبلها المجتمع السعودي كقدر لا فرار منه، فبات أمراً معتاداً. ومن أسف وقوف جميع الجهات موقف المشاهد، وعدم القيام بالواجب الملقى على عواتقها، فالدم يراق، والأرواح تتعرض للإزهاق، والكل يلقي باللائمة على الآخر، وفي نهاية المشهد لا يتحرك شيء، حزن وقتي ربما وصل لسح الدموع دون تحرك يذكر!
وعلى أرض الواقع لا تغيير، فالمسلسل التراجيدي يتواصل بفصوله الحزينة ومشاهده المؤلمة.. فإلى متى؟!