المواطن يريد من هيئة مكافحة الفساد (نزاهة) أن تكون هي الشرطي الذي يقبض على الفاسد الظاهر أولا قبل أن تبحث عن الفاسد المحتمل. ونزاهة تريد أن تذهب للعمق وتغلق الثغرات التي يتسرب منها الفساد، والنتيجة أن المواطن ما زال يرى الفاسد وهو يتبختر بكامل أناقته، ونزاهة ليست قادرة وحدها على إغلاق الثغرات التي (تفوّت جمل الفساد بما حمل)!
الأسبوع الماضي وخلال أمسية أكاديمية في جامعة الملك عبدالعزيز تحدث نائب رئيس نزاهة الدكتور عبدالله العبدالقادر حديثا في غاية الموضوعية والهدوء، وكم نحن في حاجة لحديث أو لنقل مكاشفة بعيدا عن المزايدة والصوت العالي الذي جربناه من قبل، ووصلنا لنتيجة أن الحديث بطريقة (أمسكوا الحرامي) يكون بالفعل حديثا يلوي الأعناق نحو قائله، لكن لحظات ويمضي الناس لأعمالهم، وقد يعودون بعد فترة للتساؤل عمّا فعلت نزاهة بالحرامي! نائب الرئيس حدد الثغرات التي من أهمها نظام المنافسات والمشتريات الحكومية الحالي الذي قال عنه الدكتور العبدالقادر (إنه يساعد على الفساد). والحقيقة أن هذه المعلومة يعرفها أي موظف حكومي في بداية حياته الوظيفية. أقول في بداية حياته الوظيفية، لأنه ما يلبث أن يعتاد عليها تدريجيا حتى يتأقلم معها تماما، ويتعامل معها – مع الوقت – بأنها نظام لا ينبغي مناقشته، ومن ثم تكون المناعة ضد التغيير في أعلى مستوياتها، وينسجم العقل الباطن ويشعر بالارتياح والتحايل على عقدة الشعور بالذنب بترديد كلمات مثل (بالفعل توجد ثغرات، لكن هذا هو النظام!)، فنحن نظلم الهيئة عندما تقول لنا هنا منبع الفساد، ثم نطلب منها أن تترك الخلل وتذهب لمطاردة الفاسدين. أي إننا نترك المصنع يعمل بأعلى طاقته الإنتاجية، ونطلب منها أن تقوم بمصادرة المُنتج، فأن تتقدم الهيئة ومعها مجلس الشورى بطلب إلى مجلس الوزراء بتعديل النظام، ثم ينام الطلب في لجان هيئة الخبراء فذلك يعني مزيدا من الوقت للفاسدين كي يكملوا عبثهم، بل ويتكاثروا في ظل وجود نظام ترك لهم الباب مواربا، فالكثير من أنظمتنا تكون صيغته تفترض حسن النية والثقة، أي إن النظام تمت صياغته (بمرجلة)، وكأنه يراهن على ضمير الموظف وأخلاقياته فقط، وربما هذا ما جعل نزاهة بعد يأس تمارس أسلوبا وعظيا، فهي طُلب منها مكافحة الفساد ولم تعط الصلاحيات لذلك، فعلى لسان نائب رئيسها (الهيئة تواجه العديد من التحديات التي تعوق عملها وقلة صلاحيتها)، والصلاحيات عند مجلس الخبراء، ومجلس الخبراء ما زال يدرس الطلب، ولهذا أرى أنه من الأجدى (في ظل عدم وجود الصلاحيات) أن يقتصر دور نزاهة على تحديد الأنظمة التي تحضن الفساد، وتحديد الثغرات الكثيرة المغذية له، حتى يتم منحها الصلاحيات التي تنتظرها، أو أن يقتصر دورها على ذلك وتبقى عمليات الضبط والتحقيق من صلاحيات ديوان المراقبة والمباحث الإدارية حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا!