بدأت البرلمانات الأوروبية رحلتها إلى حيث يقف العالم العربي والإسلامي من القضية الفلسطينية. والفارق بين القادمين إلى تخوم العدالة، والمقيمين في ظلها منذ أن بدأت محنة الفلسطينيين وبدأ انتهاب وطنهم؛ أن الأولين كانوا يجافون الحقيقة ويتجاهلون طبيعة المشروع الصهيوني ومنحاه العنصري النقيض لثقافتهم، المسماة ليبرالية، التي تُعلي من شأن الإنسان وحقوقه. أما المساندون للقضية الفلسطينية على مر العقود، فقد أدركوا مبكراً، خطر هذا المشروع على السلم والأمن في الإقليم وفي العالم، وأن الحيثيات العنصرية الجامحة، في الفكر والسلوك الصهيونيين، لن تقف عند حدود، ولن تتعاطى مع أي منطق رشيد. وهذا هو ما أدركه الغرب، بعد سنين طويلة من محاولاته التوصل إلى حلول متوازنة للقضية الفلسطينية، تلبي للصهيونية مطلبها الذي أفصحت عنه في خطابها الدعائي، في بدايات الصراع، بالحجم والمساحة والمقاصد «المتواضعة» التي انطلت على الغرب، وفي الوقت نفسه تتيح للفلسطينيين استقلالهم وبناء دولتهم في مواضع احتشادهم على أرض وطنهم التاريخي. لكن ممثلي الأسطورة، ظلوا يعاندون، ووصلت محاولات الوسطاء لتحقيق التسوية إلى طريق مسدودة!
جاء موقف البرلمان الفرنسي (الجمعية الوطنية) ليهز قبر نابليون الاستعماري الذي كان أول من دعا إلى إقامة دولة لليهود في فلسطين. وثمة حراك حثيث، في برلمانات أوروبية أخرى، سبقتها إرهاصات تمثلها تصريحات وزراء في حكومات، ما يعني أن مواقف البرلمانات تأخذ وجهتها إلى مساندة حق الفلسطينيين في الاستقلال والدولة في الأراضي المحتلة عام 1967.
الموقف الفرنسي الأخير، على إيجابيته، لا يلبي حاجة البرلمانيين الذين يمثلون ضمير فرنسا الجديد، إلى طي صفحات التاريخ الإمبريالي لهذا البلد، دون مواقف عملية على حلبة السياسة، تكبح جماح القوة العنصرية الإمبريالية المتغطرسة في القرن الحادي والعشرين، فيما هي تستهزئ بالعالم وبالقانون الدولي وبحقوق ضحاياها.
فلفرنسا إرث معادٍ لفلسطين وللعرب والمسلمين. وهي التي أمدت إسرائيل بطائرات «سوبر مستير» التي مكنتها من عدوان 1956 على مصر بالتشارك مع فرنسا نفسها وبريطانيا. أما في العام 1967 فقد كان سلاح الجو الإسرائيلي الذي حسم المعركة، يتشكل من طائرات «ميراج» الفرنسية الصنع. هذا بخلاف أن فرنسا هي الدولة التي تجرأت مبكراً، في الخمسينيات، على توفير بنية تخصيب اليورانيوم وإنشاء مفاعل ديمونا والتأسيس لما يسميه قادة إسرائيل «الردع النووي».
الاشتراكيون الذين يحكمون في فرنسا، ومن ورائهم الجمعية الوطنية، يسمعون في كل يوم كلاماً سفيهاً ترفضه ثقافتهم. وكان نتنياهو في شهر نوفمبر من العام الماضي، يتحدث أمام الرئيس فرانسوا أولاند، الذي حل ضيفاً على الكنيست، فركز على ضرورة الحصول على شهادة ممهورة بتوقيع فلسطين، تعترف لإسرائيل بأنها دولة يهودية دينية حصراً، يكون فيها المسلمون والمسيحيون غير متساوين في الحقوق مع اليهود، ولا يحملون في عقيدتهم صفة دولتهم!
يومها، كان نتنياهو يرثي لحال إسرائيل بالنسبة لما يراه خطراً نووياً إيرانياً. في الوقت نفسه يتبجح قائلاً إن أحداً في هذه الدنيا، لا يستطيع إلحاق الهزيمة بهذه الدولة. ثم يعود فيتحدث عن دعاوى لإبادة إسرائيل، وكأن أي طرف ذي علاقة بعملية التسوية، يريد لإسرائيل أن تُباد. ويطرح نتنياهو هذا الافتراض الهلامي، لكي يهرب من متطلبات محددة تتعلق بعملية التسوية التي تعطلت بسبب عربدة إسرائيل، ونكرانها لحقوق الآخرين، ونزوعها إلى إبادة وجودهم. كان الكلام ظلامياً فاقداً للمعنى، يمضغه المتطرف في حضرة العلماني الذي يعرف أن الأول، يترأس حكومة عدميّة تذهب بالمنطقة إلى شفير هاوية!
لم يكن موقف الجمعية الوطنية الفرنسية، انحيازاً لفلسطين بقدر ما هو انحياز لثقافة الفرنسيين ولسياستهم ولدورهم الذي تستخف به إسرائيل. بل إن الموقف البرلماني الفرنسي، سيُفيد إسرائيل لو أن فيها حكومة تصغي إلى منطق العقل، وهي إفادة موصولة بصفقات «سوبر مستير» الخمسينات، و»ميراج» في الستينات، وبينهما مفاعل «ديمونا»!

