في بداية الأسبوع الماضي قرأت مقالا ينتقد – أستخدم مفردة نقد جدلاً – وزير التجارة توفيق الربيعة، وتجنبت مفردة نقد لأن الكاتب الجهبذ لم ينقد شخص الربيعة ولا عمله، إنما كان يأمر – أي والله يأمر- الناس ألا يمتدحوا أداء الوزير، وزبدة مقال الأكاديمي المتشبّع بالمنهجية المليء بكل المحسنات البديعية واللفظية والمعنوية المُتكلفة لدرجة أنه يخيّل لك أنه يعاقب القارئ، إذ يقول بوضوح (لا تمدحون الرجّال عشان ما يخرب)!
بعد قراءتي لمقال (الوصاية) قلت لصاحبي: أشعر أن هذا المقال بداية حملة منظمة تستهدف الوزير الربيعة، وما كان من صاحبي إلا أن ابتسم بلطف وأردف: (لم يمت بعد المؤمنون بنظرية المؤامرة)، ورغم تطمين صاحبي إلا أنني أوجست خيفة، لا سيما وأنني مؤمن أن تطبيق القانون – أي قانون - بصرامة سيكون مُضراً بالبعض من أصحاب المصالح الضيقة، وما دام الربيعة وفريقه جعلوا المواطن (باستثناء التجّار وأصدقائهم الإعلاميين) هو المستفيد الأول، فمن الطبيعي ألا يركن المتضرر للصمت، فبمجرد نزول المقال الأول توالت المقالات (أربع مقالات خلال أسبوع، أي حتى كتابة هذا المقال)، وربما أكثرها غباء مقال تحدث كاتبه عن أن الوزير (يتقرّب) من المواطن في الاتصال ومواقع التواصل الاجتماعي، وهذا المنطق ليس غريبا على الذاكرة الجمعية (للخوي) فهي تؤمن أن المسؤول لا بد من أن يترفع عن المواطن العادي، لكن الويل له والثبور وعظائم الأمور إن لم يتجاوب مع الإعلام!، وأنا أتفق تماماً مع الزميل فلو أتيح للمواطن أن يتلقى المعلومة من المصدر مباشرة فسيفقد (الإعلامي) الحظوة من الاثنين؛ المواطن والمسؤول، وسنشعر نحن المواطنين بالكآبة لعدم قراءة الأيقونة (وصرّح مصدر مسؤول).. يا الله كم ستبدو الحياة كئيبة دون هذه الجملة (الله لا يغيّر علينا)، ولأن الكاتب ارتكب حماقة في تحليله العبقري لسلوكيات المسؤول، فإنه أبى إلا أن يختمها بسفاهة، فتوصل بتحليله السلوكي والنفسي إلى أن الوزير ينتمي لحزب محظور (الإخوان)، طبعاً هو يريد أن يؤلب الشارع على الوزير لكن بطريقة غاية في السخف والغباء، وأتت فكرته بعكس ما أراد، فعندما تجد مواطناً يشعر بالفخر تجاه مسؤول، ثم تقول له إن هذا المسؤول ينتمي لحزب الإخوان، فالبديهي – وهو ما غاب عن تهورك - أن هذا الشخص لن يكره من يخدمه بسبب توجهاته فهو يريد من يعمل وليس من يحمل أيديولوجيات تتفق مع ما يراه المواطن، فكاتبنا العبقري أراد أن يشوه صورة المسؤول، فسوّق للحزب!
في مقال لكاتب آخر حاول أن يكون موضوعياً، فتطرق لتضييق الوزير على التجار والصناعيين، وكيف أنهم ينوون الرحيل للدول المجاورة، وهذا التهديد من التجار الذين شعروا أن القانون سيضر في جشعهم ليس بالجديد، فلا زلت أذكر رد غازي القصيبي رحمه الله عندما (ضيّق) عليهم، واستخدموا نفس التهديد فقال بوضوح: (الباب يوسع جمل)، هل كان التجار تهمهم مصلحة الوطن أكثر من القصيبي؟ أم إنه، رحمه الله، كان يخفي ميوله الحزبية؟!
في مقال بصحيفة الوطن للزميل الساخر والساخط أحيانا هايل الشمري تحدث عن عرض تلقاه من مسؤول في شركة علاقات عامة (P.R) يطلب من الكاتب التعاون معها، وهذه الشركات تتعاقد من (كل من يدفع) لغرض تلميعه وتسويقه أو حتى إسقاطه من خلال تكوين لوبي من كتّاب الصحف، وطبعاً أنا لا أقصد أن الكتّاب الذين هاجموا الوزير يتنمون لهذه الشركات – معاذ الله – ولو قلت بهذا لأصبحت أستنتج بطريقة صاحبنا الذي اعتبر الوزير إخوانياً لأن له (لحية)!
ولا أقصد أيضاً أن يستعين الوزير بهذه الشركات، فهو في غنى عنها، لأنه ببساطة حصل على ثقة السلطة وثقة المواطن، ولم يبق إلا الفئة التي لن ترضى عنه حتى يتبع ملّتها، يقول غاندي: (في البداية يتجاهلونك، ثم يسخرون منك، ثم يحاربونك، ثم تنتصر)، فرغم بشاعة الحرب، إلا أنها المرحلة الأخيرة قبل الفوز!

