على مدار عقود، وفكرة السوق الإسلامية المشتركة والدعوة إليها والتي سبقت بعقود السوق الأوروبية المشتركة، لا تزال فكرة، تُستدعى في المؤتمرات السياسية عامة والاقتصادية على وجه الخصوص، وتغيب عقب كل لقاء، وتغادر في سلاسة وانسياب عقول المؤتمرين في الوقت الذي تعيش فيه دولنا المسلمة حالة تسر العدو، ولكنها لا تسر الصديق أبدا، بعضها، ولن أقول معظمها، تحت الخطوط البغيضة الثلاثة، (الفقر والجهل والمرض). وهي حالة لا تليق بخير أمة أخرجت للناس.
وهنا يقع العبء الجديد على كاهل رجال الاقتصاد الإسلامي خاصة، والسياسيين بشكل عام، آملا أن تتسارع الجهود في التخطيط لتعاون اقتصادي حقيقي، يقود إلى قيام سوق إسلامية مشتركة، يسهل فيها تنقل الأشخاص والأموال والبضائع، بشكل فاعل يسهم في تنمية التجارة البينية بين الدول الإسلامية، لتعميق المفهوم القرآني للآية الكريمة: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون)، وتحقيق معنى الحديث النبوي الشريف: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).
لذا فإن ما يجمع هذه الأمة أكثر بكثير مما يفرقها، فالدين جامعها الأسمى واللغة القرآنية لسانها الأعلى، وما من شيء أضعف هذه الصلات والروابط، سوى السياسة، ولا علاج لهذا الضعف غير الاقتصاد المتكامل الموحد، الذي يطعم الفقير ويعلم الجاهل، ويداوي المريض.
وحينها، وحينها فقط سنقضي، بعون الله، على حالة التشرذم السياسي والتفكك الديني، الذي انتشر تحت شعار المذهبية والجماعات والفرق، وهو ما ركلنا إلى مؤخرة الركب، وهو الذي جعل الإسلام يُفهم على غير حقيقته التي نزل من السماء بها.
لقد أعظم الإسلام من قيمة العمل لأنه دين يحترم العمل احترامه للعبادة، بل أشد. ولنتأمل هذا الحديث الشريف لرجل جاء للنبي، عليه صلاة ربي وسلامه، شاكيا في يوم جمعة قبل صلاتها «شكا رجل إلى النبي، صلى الله عليه وسلم شدة الفقر، فقال له: أما عندك شيء؟ قال: لا . فأعطاه درهمين وقال له: اذهب فاشتر بأحدهما طعاما وبالآخر فأسا واحتطب به وبع. فغاب الرجل خمسة عشر يوما ثم أتى فقال: بارك الله فيما أمرتني به. اكتسبت عشرة دراهم، فاشتريت لأهلي بخمسة طعاما وبخمسة كسوة، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: (هذا خير لك من المسألة).»
ونتأمل هذا الحديث المعروف بحديث الفأس والذي سمح النبي، صلى الله عليه وسلم، للرجل بالغياب عن المسجد أسبوعين وعن صلاة الجمعة في المسجد النبوي ليعمل ويعطي أهله، وكان الإمام هو النبي، صلى الله عليه وسلم، وهذه قيمة العمل في الإسلام يا إخوان.
ومن هنا، تتعاظم مسؤوليتنا لإيجاد العمل الشريف لكل طالب له ولكي ندعو ونعمل من أجل وحدة الأمة الإسلامية الاقتصادية. فالسياسة وحدها لم تعد خبزا للفقير ولا دواء للعليل، وساعة الزمن لا تعود إلى الوراء، ولكنها تدق دائما على إيقاعات حاضر يقود للمستقبل، والله الذي خلقنا ورزقنا يخير سبحانه الآخرة على الأولى، ويقول لنبيه الكريم الذي يصلي عليه: (وللآخرة خير لك من الأولى، ولسوف يعطيك ربك فترضى).
والآخرة ليست هي يوم الدين فقط، وإنما كل مستقبل بالنسبة للحاضر هو آخرة، وهو مقدم على الحاضر فلنعمل للآخرة بمعنييها، ففيها الخير وفيها الرضى.
وفى واقع الأمر أنه تملكتنى فيما يتعلق بمؤتمرات الاقتصاد الإسلامي قناعة، حاولت الهروب منها دون جدوى، وظلت تتزايد في داخلي، كلما تأكد لي أن هذه المؤتمرات، في معظمها، لا تزيد على لقاءات بروتوكولية لا تنتج عملا، ولا تولد أملا، ولا تدفع باقتصادنا، ولا تسهم في تحقيق الهدف الأسمى الذي يوحد الأمة كلها على اقتصاد يُعيد لها مكانتها ودورها مع كل ما حباها الله من نعم وخيرات ومقدرات، ولكنها السياسة، التي تفرق أكثر مما تجمع، وتُبعد أسرع مما تقرب. في الوقت الذي فيه العالم من حولنا يتخذ من اقتصادياته مرتكزا لكل سياساته ومنطلقا لكل توجهاته، فاجتمعوا وتفرقنا، واتفقوا واختلفنا، وتقدموا وتأخرنا.
السوق الإسلامية المشتركة
صالح عبدالله كامل3 دقائق للقراءة

حجم الخط
