عبارة أتعاطف معها كثيراً، وأنا أرثي لحال من انشغل بـ»عداد السنين» بسيطها وكبيسها، كما لو كان يريدها أن تتوقف عن الركض.
هو بهذا يطلب محالاً، كمن يطلب «لبن العصفور»، أو يطلب من الديك البلدي أو الإفرنجي أن يبيض كل يوم بيضة بصفارين!
وهي في الغالب ثقافة الخوف غير المبرر من التّقدّم في السن.
هناك طعم في الحياة لم يتعرّف عليه بعد أولئك الذين أشغلهم التفكير في التقدم في السّن، مشفقون مما عسى أن تأتي به الأيام والليالي!
جاهزون نحن ـ لنقل البعض منّا ـ لأن نتوارى عن الحياة، وننشغل بالتفكير في أحداث لم تحدث بعد، وربما لن تحدث أبدا.
والعبارة التي قلت لكم في البداية أنني أتعاطف معها، قالها الروائي الشهير جابرائيل جاريسيا ماركيز:
(إن من انتصارات الحياة أن يفقد المسنّون الذاكرة، فيما يتعلّق بالأشياء غير الجوهرية، لكنّها ـ أي الذاكرة ـ نادراً ما تعجز عما يعنينا حقاً).. واستشهد بعبارة عميقة تحمل الكثير من الظرف، إعجاباً بها وبصاحبها: (عبّر شيشرون عن هذا المعنى بضربة واحدة من قلمه: لا يوجد عجوز ينسى أين خبّأ ثروته).
والثروة هنا تتجاوز المال إلى أشياء في الحياة هي عند بعض الناس أغلى وأثمن.. كأن تكون ارتباطاً بعزيز ـ قريب أو بعيد ـ نحمل له مشاعر خاصة، ولنا معه مواقف تبقيه وتبقيها في ذاكرتنا طول العمر.. تعيش ملازمة لنا، تأكل وتشرب وتنام.. ثم قل لي كيف يمكن لأعتى وأقوى «زهايمر» أن يسقطها من حدائق الأحلام؟
....
«ليس بعدد السنين يقاس عمر الإنسان وإنما بنوع مشاعره»!