هناك طيور على أشكالها تقع، وهناك طيور أخرى على وجوهها تقع لأنها ببساطة تحاول التحليق دون أجنحة واستعداد. في عالم الواقع، «طيور السنونو» هي طيور مهاجرة صغيرة الحجم، لا يزيد طولها عن عشرين سنتيمتراً، والطريف أنها تبني أعشاشها دوماً في أماكن مرتفعة، لكنها عادة تختار المباني القديمة والمتهالكة التي قد تنهار وتقضي عليها.. وقد بنى السنونو أعشاشه بكثرة على «قصر الحب» بأوكرانيا حتى سُمي القصر بقلعة عش السنونو. السنونو البسيط تمكن أن يكون له قلعة، لكنه لا يزال مجرد سنونو. أما في عالم الثقافة، أزعم أن هناك ظاهرة، اسميها «ظاهرة السنونو» منتشرة وشائعة بما يتناسب عكسياً مع المستوى الثقافي. الظاهرة تتمثل في تصدر توافه البشر للمشهد الثقافي دون وجه حق، فتجد جملة مأثورة على شاكلة: «اغسل يديك جيداً فالميكروبات غادرة». أو «لا تكن ضعيفاً لأن الحياة تحتاج لقوة». أو «ليس مهماً أن تكون ثميناً المهم أن يحبك الناس». وما سبق مجموعة جمل تخيلية لـ»ظاهرة السنونو». يخرج زعيم السنونو ليقول حكمة سنونوية من عينة ما سبق، وهذا حقه طبعاً، لتجد طيور السنونو الصغيرة تصفق له وتقول: «الله الله يا سيدنا السنونو». الأزمة أن جمهور السنونو لم يقرأ قبل ذلك ما يساعده على التفريق بين غثاء السنونو الأعظم والكلام الحقيقي. فالقراءة عملية تراكمية تُكون الحاسة الأدبية والذوق الفني، وبدون هذا التراكم يتحول أي سنونو أعظم إلى أعظم كاتب أو أعظم فنان.. السنونو الأعظم يستمد غذاءه من صورة ذهنية رسمها له صغار السنونو دون سند مع العلم أن أي سنونو أعظم يظهر معدنه الثقافي بمجرد أن يفتح فمه خارج نطاق عمله.
بعض قادة أسراب السنونو تجدهم روائيين، لكنهم في الواقع لا يروون أحداثاً درامية بل يروون عطش أتباعهم من طيور السنونو. ونعلم أن الرواج لا يعكس بالضرورة القيمة، لكنه في عالمنا العربي أصبح عكسها! فالروايات السنونوية تُباع بكثرة لصغار السنونو، وهى روايات بذل فيها السنونو الأعظم مجهوداً كبيراً، لكنها في الواقع إما قص ولصق من أفلام أجنبية، أو روايات مفككة لا تتبع أي مبادئ أولية لكتابة الروايات. أما مقالات أي سنونو أعظم فهي عبارة عن موضوع إنشاء لا تقدم أي رأيا أو تحليلا أو معلومة أو حتى تسلية، لها بداية ووسط ونهاية، لكنها من ضروريات ملء الصحف.
ولأن أمة «اقرأ» لا تقرأ، فلا خوف من السنونو الأعظم حين يكتب، فظاهرة السنونو في الأدب تسير بفكرة «إذا بليتم فاستتروا»، ولكنها تنتقل لمرحلة الفعل الفاضح في المجال العام حينما تتجسد في الإعلام المرئي الذي يحظى بنسب مشاهدة عالية.. أي سنونو أعظم سوف يقع سريعاً على وجهه؛ فالزبد يذهب جفاء وما ينفع الناس يمكث في الأرض.

